Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



10-14-2008 11:29 PM

1- أبو العباس عبدالله السفاح





132هـ -136هـ





عبد الله بن محمد بن علي السجاد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،أمير المؤمنين,أول خلفاء بني العباس, كان شابا مليحا مهيبا ابيض طويلا أقنى الأنف وقورا[1]ذا شعرة جعدة حسن اللحية جعدها [2] سديد الرأي كريم الأخلاق[3] ويقال: له أيضاً: المرتضى والقائم: ولد بالشراة قال الخطيب البغدادي 2كان مولده علي ما: أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفا حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا حدثني محمد بن صالح حدثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرياحي حدثني جدي عبيد الله بن العباس بن محمد قال: ولد أبو العباس سنة خمس ومائة واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة وقيل[4]ولد سنة ثمان ومئة,أمه ريطة بنت عبد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، كان يكره الدماء و يحابي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم[5] حدث عن أخيه إبراهيم الإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور1.كان ذا فضل وحزم وسياسة3 لقب بالسفاح لكثرة سفحه المال وإعطائه العطايا جاء في لسان العرب[6] ورجل سَفَّاحٌ، مِعْطاء والسَّفَّاح: لقب عبد الله بن محمد أَوّل خليفة من بني العباس.



قال السيوطي: أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري1 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)) يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثياً)).

وقال عبيد الله العيشي1 قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً ولا ناسكاً منهم. بويع بالكوفة وهو ابن سبع وعشرين سنة, ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلي من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة في بني أود في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، فركب حتى أصبح فصلى بالناس يوم الجمعة، وبويع ذلك اليوم بيعة العامة.

قال خليفه4 حدثني عبد الله بن مغيرة عن أبيه قال: رأيت أبا العباس حين خرج إلى الجمعة على برذون أشهب قريب من الأرض بين عمه داود بن علي وأخيه أبي جعفر شاباً جميلاً تعلوه صفرة فأتى المسجد فصعد المنبر فتكلم، فصعد داود بن علي فقام على عتبتين من المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه والله ما علا منبركم هذا خليفة بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا. فوعد الناس ومناهم.

قال أبي: ثم رأيته في الجمعة الثانية كأن وجهه ترس، وكأن عنقه إبريق فضة وقد ذهبت الصفرة والله ما كان بينهما إلا أسبوع.







[1] تاريخ الخلفاء للسيوطي

[2] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي

[3] مختصر التاريخ لابن الكازروني صـ112ــ,

[4] تاريخ خليفة بن خياط حوادث سنة 132هـ

[5] البدء والتاريخ لابن المطهر

[6] لسان العرب لابن منظور,صـ2649ــ























وصية إبراهيم الإمام له[1]:



ولما حبس إبراهيم الإمام بحرَّان، وعلم أن لا نجاة له من مروان، أثبت وصيته وجعلها إلى أخيه أبي العباس عبد اللّه بن محمد، وأوصاه بالقيام بالدولة والجدِّ والحركة وأن لا يكون له بعده بالحميمة لُبْثٌ ولا عَرَجَة حتى يتوجَّه إلى الكوفة فإن هذا الإمر صائر إليه لا محالة، وأنه بذلك أتتهمِ الرواية، وأظهره- على أمر الدُّعَاة بخراسان والنُّقَبَاء، ورسم له بذلك رسماَ أوصاه فيه أن يعمل عليه ولا يتعدَّاه، ودفع الوصية بجميع ذلك إلى سابق الخوارزمي مولاه، وأمره إنْ حَدَث به حَدَثٌ من مروان في ليل أو نهار أن يجدَّ السير إلى الحميمة حتى يدفع وصيته إلى أخيه أبي العباس، فلما قضى إبراهيم نَحْبَه أسرع سابق في السير حتى أتى الحميمة فدفع الوصية إلى أبي العباس ونَعَاه إليه، فأمره أبو العباس بستر الوصية وأن ينعاه، ثم أظهر أبو العباس أهلَ بيته على أمره، ودعا إلى مؤازرته ومكاشفته أخاه أبا جعفر عبد اللهّ بن محمد، وعيسى بن موسى بن محمد ابن أخيه، وعبد اللّه بن علي عمه، وتوجَّه أبو العباس إلى الكوفة مسرعاً، وهؤلاء معه في غيرهم ممن خَفَّ من أهل بيته، فلقيتهم أعرابية على بعض مياه العرب في طريقهم إلى الكوفة، وقد تقدمَ أبو العباس وأخوهُ أبو جعفر وعمه عبد اللهّ بن علي فيمن كان معهم إلى الماء، فقالت الأعرابية: تاللّه ما رأيت وجوهاً مثل هذه ما بين خليفة وخليفة وخارجي، فقال لها أبوجعفر المنصور: كيف قلت يا أمَةَ اللّه. قالت: واللهّ ليلينّهَا هذا، وأشارت إلى السفاح، ولتخلُفَنَّهُ أنت، وليخرجَنَّ عليك هذا، وأشارت إلى عبد اللّه بن علي، فلما انتهوا إلى دومة الجندل لقيهم داود بن علي وموسى بن داود، وهما منصرفان من العراق إلى الحميمة من أرض الشراة، فسأله داود عن مسيره، فأخبره بسببه، وأعلمه بحركة أهل خراسان لهم مع أبي مسلم، وأنه يريد الوثوب بالكوفة، فقال له داود: يا أبا العباس، تَثِبُ بالكوفة ومروان شيخ بني أمية وزعيمهم في أهل الشام والجزيرة مُطِلٌّ على أهل العراق، وابن هُبَيْرة شيخ العرب في جلّة العرب بالعراق، فقال أبو العباس: يا عَمَّاه، من أحب الحياة ذل، وتمثل بقول الأعشى:

فما مَيْتَةٌ إن مُتُّهَا غيرعـاجـز*****بِعَار،إذا ما غالت النفسَ غُولُهَا









فالتفت داود إلى ابنه موسى، فقال: أيْ بني، صدق ابن عمك، ارجع بنا معه نحيا أعزاء أو نموت كراماً، فعطفا ركابهما معه، وسار أبو العباس حتى دخل الكوفة.

وقد كان أبو سَلَمة حفص بن سليمان- حين بلغه مقتل إبراهيم الإمام- أضْمَرَ الرجوع عما كان عليه من الدعوة العباسية إلى العلويين.

مقدم السفاح الكوفة1:



وقدم أبو العباس الكوفة مع أهل بيته سراً، والمسودة مع أبي سلمة بالكوفة، فأنزلهم جميعاً دار الوليد بن سعد في بني أوْدٍ حي من اليمن

وأخفى أبو سَلَمة أمر أبي العباس ومن معه، ووكل بهم وكيلاً، وكان قدوم أبي العباس الكوفة في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها جرىَ البريد بالكتب لولد العباس، وقد كان أبو سَلَمة لما قتل إبراهيم الإِمام خاف انتقاض الأمر وفساده عليه، فبعث بمحمد بن عبد الرحمن بن أسلم وكان أسلم مولىً لرسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد اللّه جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإلى أبي محمد عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين، يدعو







[1] مروج الذهب للمسعودي

كلَّ واحد منهما إلى الشخوص إليه. ليصرف الدعوة إليه، ويجتهد في بيعة أهل خراسان له، وقال للرسول: العَجَلَ العَجَلَ، فلا تكونَنَّ كوافد عاد، فقدم محمد بن عبد الرحمن المدينة على أبي عبد الله جعفربن محمد فلقيه ليلاً، فلما وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة، ودفع إليه كتابه، فقال له أبو عبد اللهّ وما أنا وأبو سَلَمة. وأبو سَلَمة شيعة لغيري، قال: إني رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت، فدعا أبو عبد اللّه بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول: عرف صاحبك بما رأيت، ثم أنشأ يقول متمثلاً بقول الكميت بن زيد:

أيا مُوقِداً ناراً لغيرك ضوءهـا





ويا حاطباً في غيرحبلك تحطب







فخرج الرسول من عنده وأتى عبد اللّه بن الحسن[1] فدفع إليه الكتاب فقبله وقرأَه وابتهج به، فلما كان من غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتابُ ركب عبد اللّه حماراً حتى أتى منزل أبي عبد اللّه جعفربن محمد الصادق، فلما راه أبو عبد اللّه أكبر مجيئه، وكان أبو عبد اللّه أسَنِّ من عبد اللهّ، فقال له: يا أبا محمد، أمْرٌ ما أتى بك، قال: نعم وهوأجَلُّ من أن يوصف، فقال: وما هو يا أبا محمد. قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما أقبله، وقد تقدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان، فقال له أبو عبد اللّه: يا أبا محمد، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك. أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان، وأنت أمرته بلبس السواد. وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وَجَّهت فيهم، وهل تعرف منهم أحداً.



فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام، إلى أن قال: إنما يريد القوم ابني محمداً لأنه مهديُّ هذه الأُمة، فقال أبو عبد اللهّ جعفر: واللّه ما هو مهدي هذه الأُمة، ولئن شهر سيفه ليقتلن، فنازعه عبد اللهّ القول، حتى قال له: واللّه ما يمنعك من ذلك الا الحسد، فقال أبوعبد اللّه: واللّه ما هذا نصح مني لك، ولقد كتب اليً أبوسلمة بمثل ما كتب به اليك، فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك، ولقد أحرقْتُ كتابه من قبل أن أقرأه، فانصرف عبد اللّه من عند جعفر مغضباً، ولم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح بالخلافة وذلك أن أبا حميد الطوسي دخل ذات يوم من المعسكر إلى الكوفة فلقي سابقاً الخوارزمي في سوق الكناسِة فقال له: اسابق، قال: سابق فسأله عن إبراهيم الإِمام، فقال: قتله مروان في الحبس، وكان مروان يومئذ بحرَّان، فمال أبو حميد: فإلى مَنِ الوصية، قال: إلى أخيه أبي العباس، قال: وأين هو، قال: معك بالكوفة هو وأخوه وجماعة من عمومته وأهل بيته، قال: مُذْ متى هم هنا، قال: من شهرين، قال: فتمضي بنا إليهم، قال: غداً بيني وبينك الموعد في هذا الموضع، وأراد سابق أن يستأذن أبا العباس في ذلك، فانصرف إلى أبي العباس فأخبره، فلامه إذ لم يأت به معه إليهم، ومضى أبو حميد فأخبر جماعة من قوَّاد خراسان في عساكر أبي سَلَمة بذلك، منهم أبو الجهم وموسى بن كعب، وكان زعيمهم، وغدا سابقٌ إلى الموضع، فلقي أبا حميد، فمضَيَا حتى دخلا على أبي العباس ومن معه فقال: أيكم الإمام، فأشار داود بن علي إلى أبي العباس، وقال: هذا لخيفتكم، فأكبَّ على أطرافه يقبلها، وسَلّم عليه بالخلافة، وأبو سلمة لا يعلم بذلك، وأتاه وجوهُ القواد فبايعوه، وعلم أبو سلمة بذلك فبايعه، ودخلوا إلى الكوفة في أحسن زي، وضربوا له مصافاً، وقُدِّمت الخيول، فركب أبو العباس ومن معه حتى أتوا قصر الإمارة، وذلك في يوم الجمعة لاثنتي عشرَةَ ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

خطبته بعد توليه الخلافة[2]:

بعد إنتصار الجيش العباسي بقيادة عبدالله بن علي السجاد بن عبدالله بن العباس على جيش مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية ولما كان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة



[1] هو عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.



[2] تاريخ الخلفاء العباسيين لابن الساعي صـ7,8,9,10,11ــــ,تاريخ الرسل والملوك للطبري ج7,مروج الذهب للمسعودي.





























اثنين وثلاثين ومئة لبس الجند السلاح واصطفوا لخروج أبي العباس فخرج وركب برذونا أبلقا وركب أهله ودخلوا دار الإمارة ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس ثم صعد المنبر فقام أعلاه وصعد عمه داوود بن علي السجاد دونه، فخطب على المنبر قائماً، وكانت بنوأمية تخطب قُعُوداَ، فضجَّ الناسُ وقالوا: أحييت السُّنة يا ابن عَمِّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقال:



الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به، والذّابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نبعته؛ جعله من أنفسنا عزيزاً عليه ما عنتنا، حريصاً علينا بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يتلى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ً))الأحزاب 33، وقال: (( قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )) الشورى 23 وقال: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين ))، وقال: (( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )) الحشر7, فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلاً علينا، والله ذو الفضل العظيم.

وزعمت السبيّئة الضلاّل، أن غيرنا أحقّ بالرئاسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس? وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتمّ بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخواناً على سرر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصاً منها. ثم وثب بنو حرب ومروان، فابتزّوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه، فلما آسفون انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا، وتدارك بنا أمّتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألاّ يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح؛ وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير.



وكان موعوكاً فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن عليّ فقام دونه على مراقي المنبر، فقال: الحمد لله شكراً شكراً شكراً؛ الذي أهلك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدّنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف علكيم. أيها الناس، إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً ولا عقياناً، ولا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً؛ وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبني عمنا، وما كرثنا من أموركم، وبهظنا من شؤونكم؛ ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخرقهم بكم، واستذلالهم لكم؛ واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله تبارك وتعالى، وذمة رسوله

صلى الله عليه وآله وسلم، وذمة العبّاس رحمه الله؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامّة منكم والخاصّة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تبّاً تبّاً لبني حرب بن أمية وبني مروان! آثروا في مدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم فيي العباد؛ وسنّتهم في البلاد التي بها استلذّوا تسربل الأوزار، وتجليبب الآصار، ومرحوا في أعنّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ؛ جهلاً باستدراج الله، وأمناً لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتاً وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزّقوا كلّ ممزّق، فبعداً للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه، فظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا.



أيّها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزيزاً، إنما عاد إلى المنبر بعد الصّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوعك؛ وادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوّ الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار؛ الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى.

فعجّ الناس له بالدعاء. ثم قال: يا أهل الكوفة؛ إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقّنا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعزّ الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم فإن الأمر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصراً؛ وإنكم مصرنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.

ثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم؛ حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب، وجنّهم الليل، فدخل.





وقعة الزاب وإنتصار الجيش العباسي[1]



كانت هزيمة مروان بالزّاب صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

ذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجبلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي وجّهه قحطبة إلى شهرزور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموصل، وبلغ مروان أن عثمان قد قتل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلاً في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل? قالوا: بلوى، قال: بل علوى







[1] تاريخ الرسل والملوك للطبري ج7









وبشرى. ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دجلة، وحفر خندقاً فسار إليه أبو عون، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة؛ كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسمائة إلى أبي عون. ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي? فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سر على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سرادقه وخلاّه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شرطته حيّاش بن حبيب الطائييّ، وعلى حرسه نصير بن المحتفز، ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدلّ عليها بالزّاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله ابن عليّ؛ فأصبح مروان فعقد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقاً أسفل من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مروان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابه، وأسروا، وقتل منهم يومئذ عدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مروان مع الرءوس، فقال مروان: أدخلوا عليّ رجلاً من الأسارى، فأتوه بالمخارق - وكان نحيفاً - فقال: أنت المخارق? فقال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق? قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرءوس هل تراه? فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم!



قال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان قال: قال مروان للمخارق: تعرف المخارق إن رأيته? فإنهم زعموا أنه في هذه الرءوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرءوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرءوس، ولا أراه إلاّ وقد ذهب، فخلّى سبيله. وبلغ عبد الله بن علّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق. فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صول، فاستخلفه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مروان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأرسل مروان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشأم: قفوا لا تبدءوهم بقتال؛ فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الويد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه. وقاتل ابن معاوية أهل الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى. ابن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجثوا على الكرب، فقاتلوهم، فجعل أهل الشأم يتأخّرون كأنهم يدفعون؛ ومشى عبد الله قدماً وهو يقول: يا ربّ، حتى متى نقتل فيك! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور! واشتدّ بينهم القتال. وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطه: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضاً. قال: أما والله لأسوءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك. ثم انهزم أهل الشأم، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم


بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجسر على الزّاب، واستخرجوا الغرقى فأخرجوا ثلثمائة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فتلى عبد الله بن عليّ قوله تعالى: ((وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)) البقرة 50.

وأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاص يعيّر مروان:

لج الفرار بمروان فقلـت لـه***عاد الظلوم ظلماً همّه الهـرب



أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت***عنك الهوينى فلا دين ولا حسب



فراشة الحلم فرعون العقاب وإن***تطلب نداه فكلب دونه كـلـب







وكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحاً كثيراً وأموالاً؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتاب عبد الله ابن عليّ صلى ركعتين، ثم تلى قوله تعالى: ((فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(250)فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء)) البقرة

وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.

حدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئاً إلا كان فيه الخلل والفساد. قال: بلغني أنّه كان يوم انهزم واقفاً، والناس يقتتلون؛ إذ أمر بأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنّ الناس قد مالوا على هذا المالل، ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى مؤخّر عسكرك، فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهموا.



ومضى مروان[1] في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من الدخول إليها، وأظهروا السواد لما رأوه من توليه الأمر عنه، وأتى حران وكانت داره، وكان مقامه بها وقد كان أهل حران أزال بني العباس لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا من إزالته، وقالوا: لا صلاة إلا بلعن أبي تراب، وأقاموا على ذلك سنة حتى كان من أمر المشرق وظهور المسودة ما كان، وامتنع مروان من ذلك لانحراف الناس عنهم، وخرج مروان في أهله وسائر بني أمية عن حران، وعَبَرَ الفرات، ونزل عبد اللّه بن علي على باب حران، فهدم قصر مروان، وقد كان أنفق عليه عشرة ألاف ألف درهم، واحتوى على خزائن مروان وأمواله، وسار مروان فيمن معه من خواصه وعياله حتى انتهى إلى نهر أبي فطرس من بلاد فلسطين والأردن فنزل عليه، وسار عبد اللّه بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها وفيها يومئذ







[1] مروج الذهب للمسعودي















الوليد بن معاوية بن عبد الملك في خمسين ألف مقاتل، فوقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار ونزار على اليمن فقتل الوليد بن معاوية، وقد قيل: إن أصحاب عبد اللّه بن علي قتلوه.

مقتل مروان بن محمد:



رحل صالح بن علي السجاد في طلب مروان ومعه أبو عوف عبد الملك بن يزيد، وعامر بن إسماعيل المذ حِجي، فلحقوه بمصر وقد نزل بُوصِيرَ، فبايتوه، وهجموا على عسكره وضربوا بالطبول، وكبروا ونادوا: يالثارات إبراهيم، فظن مَنْ في عسكر مروان أن قد أحاط بهم سائر المسوّدة فقتل مروان، وقد اختلف في كيفية قتله في المعركة في تلك الليلة، وكان قتله ليلة الأحد لثلاث بَقِينَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

ولما قَتَلَ عامرُ بن إسماعيل مروانَ وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساؤه إذا بخادم لمروان. \"شاهر السيف يحاول الدخول عليهن، فأخفوا الخادم، فسئل عن أمره، فقال: أمرني مروان إذا هو قُتِل أن أضرب رقاب بناته ونسائه فلا تقتلوني فإنكم واللّه إن قتلتموني ليفقدن ميراث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا له: انظر ما تقول، قال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني، ففعلوا، فأخرجهم من القرية إلى موضع رمل، فقال: اكشفوا هنا، فكشفوا، فإذا البُرْد وَالقَضِيب ومِخْصَر قد دفنها مروان لئلا تصير إلى بني هاشم، فوجَّه بها عامر ابن إسماعيل إلى عبد اللّه بن علي، فوجهَ بها عبد اللّه إلى أبي العباسَ السفاح، فتداولت ذلك خلفاء بني العباس

بعد مقتل مروان الحمار آخر خلفاء بني أمبة عفا صالح بن علي السجاد عن أهله والحقهم بحران بطلب منهم كما جاء عند المسعودي[1].

جاء في تاريخ الإسلام[2]: وأما مروان الحمار خليفة الوقت فسار في مائة ألف حتى نزل الزابين دون الموصل، فجهز السفاح عمه عبد الله بن علي في جيش فالتقى الجمعان على كشاف في جمادى الآخرة، فانكسر مروان وتقهقر غلى الجزيرة وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوى ويلتقي، ودخل عبد الله بنعلي الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كعب التميمي ثم طلب الشام مجداً، وأمده السفاح بصالح بن علي وهو عمه الآخر، فسار عبد الله حتى نازل دمشق وفر مروان إلى غزة، فحوصرت دمشق مدة وأخذت في رمضان وقتل بها خلق من بني أمية ومن جندهم، فما شاء الله كان، فلما بلغ مروان ذلك هرب إلى مصر ثم قتل في آخر السنة. وهرب ابناه عبد الله و عبيد الله حتى دخلا أرض النوبة، وكان مروان قد استعمل على مصر عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير اللخمي مولاهم فأحسن السيرة، وسارعم السفاح صالح بن علي فافتتح مصر وظفر بعبد الملك وبأخيه معاوية فعفا عنهما.



إنسانية أبي العباس:



كثر اللغط في إتهام السفاح بكثرة إراقة الدماء والتشفي بقتل الأعداء والتنكيل بهم والرد على كل هذا يطول ولنا أن نستعرض موقف أمير المؤمنين أبو العباس السفاح مما وقع من قاتل مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية, ولما بلغه ما كان من عامر بن إسماعيل وقتله لمروان ببوصير وقيل: إن ابن عم لعامر يِقال له نافع بن عبد الملك كان قتله في تلك الليلة في المعركة وهو لا يعرفه، وإن عامراً لما احتز رأس مروان واحتوى على عسكره دخل إلى الكنيسة التي







[1] مروج الذهب للمسعودي

[2] تاريخ الإسلام للذهبي الطبقة الرابعة عشر

كان فيها مروان، فقعد علي فرشه وأكل من طعامه، فخرجت إليه ابنة مروان الكبرى، وتعرف بأم مروان، وكانت أسَنَّهُنَّ، فقالت: يا عامر إن دهراً أنزل مروان عن فُرُشه حتى أقعدك عليها فأكلت من طعامه واحتويت على أمره، وحكمت في مملكته، لقادرأن يغيرما بك من نعمة.

وبلغ السفاح فعلُه وكلامها، فاغتاظ من ذلك، وكتب إليه: ويلك أما كان لك في أدب الله عز وجل ما يزجرك عن أن تأكل من طعام مروان وتقعد على مهاده، وتتمكن من وساده. أما واللّه لولا أن أمير المؤمنين تأول ما فعلت على غير اعتقاد منك لذلك ولا شهوة لمَسَّك من غضبه وأليم أدبه ما يكون لك زجراً، ولغيرك واعظاً، فإذا أتاك كتابُ أمير المؤمنين فتقرب إلى اللّه تعالى بصدقة تطفىء بها غَضَبه، وصلاة تظهربها الاستكانة، وصُمْ ثلاثة أيام، ومُرْ جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك[1].



جملة من أخباره رحمه الله تعالى:

جاء في تاريخ بغداد بسند[2] أن أمير المؤمنين أبي العباس كان بمجلسه مع بني هاشم والشيعة ووجوه الناس فدخل عبد الله بن حسن الحسني[3] ومعه مصحف فقال: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف فأقبل عليه أبو العباس غير مغضب ولا مزعج فقال: إن جدك عليا وكان خيراً مني وأعدل ولى هذا الأمر فاعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيراً منك شيئا وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك قال: فما رد عبد الله جوابا وانصرف والناس يعجبون من جوابه له.

قال الصولي[4]: من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزماً والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.

ومن كلامه رحمه الله[5]من شدد نفر ومن لان تألف والتغافل من أخلاق الكرام.

قال الصولي4: وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن3 مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله.





ذكر وفاته رحمه الله تعالى:



ورد أن أمير المؤمنين السفاح نظر في المرآة[6] وكان من أجمل الناس وجها فقال: اللهم انى لا أقول كما قال عبد الملك أنا عبد الملك الشاب ولكن أقول اللهم عمرني طويلاً في طاعتك ممتعا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام فتطير من كلامه وقال: حسبي الله لا قوة إلا بالله عليه توكلي وبه أستعين فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام.





[1] مروج الذهب للمسعودي

[2] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي,تاريخ الخلفاء للسيوطي

[3] هو عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

[4] تاريخ الخلفاء للسيوطي

[5] مختصر التاريخ لابن الكازروني صــ113ــ

[6] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي













ورد عن عيسى بن علي العباسي[1] أنه دخل في أول النهار من يوم عرفة علي أبي العباس وهو في مدينته بالأنبار قال: وكنت قد تخلفت عنه أياماً لم أركب إليه فيها فعاتبني علي تخلفي كان عنه فأعلمته أنى كنت أصوم منذ أول يوم من أيام العشر فقبل عذري. وقال لي: أنا في يومي هذا صائم فاقم عندي لتقضيني فيه بمحادثتك إياي ما فاتني في الأيام التي تخلفت عنى فيها ثم تختم ذلك بإفطارك عندي فأعلمته أنى أفعل ذلك وأقمت إلى أن تبينت النعاس في عينيه قد غلب عليه فنهضت عنه واستمر به النوم فملت بين القائلة في داره وبين القائلة في داري فمالت نفسي إلى الانصراف إلى منزلي لأقيل في الموضع الذي اعتدت القائلة فيه فصرت إلى منزلي وقلت إلى وقت الزوال ثم ركبت إلى دار أمير المؤمنين فوافيت إلى باب الرحبة الخارج فإذا برجل دحداح حسن الوجه مؤتزر بإزار مترد بآخر فسلم علي فقال: هنأ الله أمير المؤمنين هذه النعمة وكل نعمة البشرى أنا وافد أهل السند أتيت أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم فما تمالكت سروراً إلى أن حمدت الله علي توفيقه إلى للانصراف رغبة في أن أبشر أمير المؤمنين بهذه البشرى فما توسطت الرحبة حتى وافى رجل في مثل لونه وهيئته وقريب الصورة من صورته فسلم علي كما سلم على الآخر وهنأني بمثل تهنئته وذكر أنه وافد أهل إفريقية أتى أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم فتضاعف سروري وأكثرت من حمدي على ما وفقني له من الانصراف ثم دخلت الدار فسألت عن أمير المؤمنين فأخبرت أنه في موضع كان يتهيأ فيه للصلاة وكان يكون فيه سواكه وتسريح لحيته فدخلت إليه وهو يسرح لحيته فابتدأت بتهنئته وأعلمته أني رأيت ببابه رجلين أحدهما وافد أهل السند فوقع عليه زمع وقال: الآخر وافد أهل إفريقية بسمعهم وطاعتهم فقلت نعم فسقط المشط من يده ثم قال: سبحان الله كل شيء بائد سواه نعيت والله نفسي حدثني إبراهيم الإمام عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقدم على في يوم واحد في مدينتي هذه وافدان وافد السند والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت وقد أتاني الوافدان فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيك فقلت له: كلا يا أمير المؤمنين إن شاء الله فقال: بلى إن شاء الله لئن كانت الدنيا حبيبة إلي فصحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى منها والله ما كذبت ولا كذبت

توفي رحمه الله بالأنبار بعد أن أصابه الجدري وذلك يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة وهو ابن ثمان وعشرين سنة صلى عليه عيسى بن علي،و كانت ولايته أربع سنين وتسعة اشهر[2].




ذكرأولاده[3]:




كان له من الأولاد صالح ومحمد وكان فاضلا له شعر حسن توفي سنة أربعين ومئة وبنت وهي رملة وقيل ريطة[4],تزوجها أمير المؤمنين محمد المهدي.





تسمية عمال أبي العباس[5]:

البصرة:




[1] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي

[2] تاريخ خليفة بن خياط

[3] مختصر التاريخ لابن الكازروني صــ113ــ

[4] في خلاصة الذهب المسبوك ريطة وهو المشهور في تسميتها

[5] تاريخ خليفة بن خياط


عزل عنها سفيان بن معاوية وولاها عمر بن حفص هزار مرد، ثم عزله سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وولى سفيان بن علي بن عبد الله بن عباس فلم يزل عليها حتى مات أبو العباس.

الكوفة:

استعمل عليها أبو العباس عمه داود بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عزله وبعثه فصلى بالموصل. وولى الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حتى مات أبو العباس.

مكة:

ولاها عمه داود بن علي مع المدينة فمات داود. واستخلف ابنه موسى بن داود فعزله أبو العباس. وولى خاله زياد بن عبيد الله الحارثي مع المدينة والطائف. فولاها زياد بن عبيد الله ابن أخيه علي بن الربيع حتى مات أبو العباس.

المدينة:

بعث عبد الله بن علي السجاد بن عبد الله بن عباس من دمشق عند دخوله إياها يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى المدينة فخرج عنها واليها يوسف بن عروة بن محمد بن عطية. ثم ولاها أبو العباس عمه داود بن علي مع مكة والطائف فوليها أربعة أشهر ثم مات. واستخلف ابنه موسى بن داود فعزله أبو العباس. زياد خاله زياد بن عبيد الله فقدم المدينة في جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فلم يزل عليها حتى مات أبو العباس.

اليمن:

جمعها أبو العباس لداود بن علي فولاها داود. ثم وليها عمر بن عبد الحميد الخطابي. ثم ولاها أبو العباس ابن خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله فمات. فجمعها أبو العباس لخاله زياد بن عبيد الله. فولاها زياد ابن أخيه علي بن الربيع. ثم عبد الله بن الربيع حتى مات أبو العباس. وقد وليها في خلافة أبي العباس عمر بن عبد الحميد الخطابي.

خراسان:

قام بها أبو مسلم.

سجستان:

بعث أبو مسلم مالك بن الهيثم من أهل خراسان فأخرج أهل الشام منها. ثم بعث عمر بن العباس بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. ثم بعث إسماعيل بن عمرو.

السند:

بعث أبو العباس رجلاً من بني تميم يقال له: مغلس فأخذه منصور بن جمهور أسيراً وقتل عامة أصحابه. فوجه أبو العباس موسى بن كعب المرئي فلقيه منصور بقندابيل فقتل منصوراً ودخل المنصورة موسى بن كعب فلم يزل عليها حتى مات أبو العباس.

البحران:

المسبح بن الحواري بن زياد بن عمرو العتكي. ثم عبد الله بن سليمان بن المنذر بن الجارود. ثم عمر بن حفص هزار مرد.

اليمامة:

داود بن علي فمات. فولى السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب.

الجزيرة:

لما هزم مروان من الزاب سار عبد الله بن علي فدخلها. ثم استخلف موسى بن كعب المرئي. ثم ولى أبو العباس أخاه أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان ثم أمره أن يسير إلى مكة فيقيم الحج. فسار واستخلف مقاتل بن حكيم العتكي حتى مات أبو العباس.



الصائفة: النضر بن يريم. ثم صالح بن علي.

الموسم: اثنتين وثلاثين داود بن علي. ثلاث وثلاثين زياد بن عبيد الله الحارثي. أربع وثلاثين عيسى بن موسى. خمس وثلاثين سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. ست وثلاثين أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي أمير المؤمنين.

القضاء:

قضاء البصرة:

بعث أبو جعفر في خلافة أبي العباس الحجاج بن أرطاة الفقيه النخعي قاضياً على البصرة، فقضى شهراً. ثم قدم سليمان في أول سنة ثلاثة وثلاثين فعزل الحجاج وأعاد عباد بن منصور ثم عزله. وولى سوار بن عبد الله. وعمر بن عامر السلمي فكانا يعقدان جميعاً، فاستعفى سوار فأعفاه. وولى عمر بن عامر فمات عمر. فولى طلحة بن إياس العدوي عدي الرباب ثم عزله. وأعاد عباد بن منصور حتى مات أبو العباس.

الكوفة:

محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حتى مات أبو العباس.

المدينة:

ولى زياد بن عبيد الله بن أبي سبرة سنة ست وثلاثين ومائة.

شرط أبي العباس: عبد الجبار بن عبد الله الأزدي.

الخاتم والحرس: أسد بن عبد الله بن مالك الخزاعي.

حاجبه: أبو عمارة مولاه.







تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1126


خدمات المحتوى


اللجنة التاريخية
تقييم
8.03/10 (23 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو