Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



06-17-2011 06:22 AM




آثار بني العباس في العراق


د. مصطفى جواد -مؤرخ عراقي

حدثنا التاريخ حتى أسهب عن عظمة بني العباس و قصورهم و دورهم و جوامعهم و مساجدهم و مدارسهم و ربطهم و دور ضيافتهم و أسوارهم و أنهارهم، و لكن الزمان لم يبق إلا على قليل من تلك الآثار، فليس للرصافة أثر و لا لقصر المهدي و جامعه و قصور البرامكة من باقية، فأين ذهبت محلة الكرخ و مدينة المنصور المستديرة و قصر الخلد و قصر الذهب و جامع المدينة و القبة الزرقاء؟ أمست يباباً خراباً. و أين قصر الفردوس و دار التماثيل و قصر التاج و قصر المأمون؟ لقد عفاها الدهر فلا تعرف إلا أخبارها! ماذا حدث بنهر المهدي و نهر المعلى و نهر بين؟
إنها في ضمير التاريخ، مثل بها على مسرح الأرض ثم نسخها الزمان. السؤال يطول و الجواب محزن. فهل رأيت الأحلام كيف تتلاشى؟ و هل رأيت الشهب كيف تنكدر؟ بل هل رأيت النور كيف يزول؟


جامع المعتصم:




image



دعني أحدثك عما بقي من آثار بني العباس بالعراق. فهي على قلتها ذكرى للذاكرين، و شاجية للمحبين، و مدهشة للمتتبعين، و مشغلة للمؤرخين. و أول ما أبدأ بذكره "جامع المعتصم بالله" بسامرا التي حول التفاؤل اسمها إلى "سر من رأى" فانظر إلى رسمه رقم (1) و هم مأخوذ من طيارة، تحط علماً بعظمته و إتقان بنائه و مقدار سعته، ثم انظر ثانية إلى "منارته" الشاهقة، و إلى دوراتها المقطوبة عن علو شيئاً فشيئاً، تعلم فنها العجيب و تعرف كيف نقله "أحمد بن طولون" إلى مصر بعد ما شاهده و أعجب به. فلقد اضطربت الأوهام في معرفة مأتى هذا الفن المناري إلى مصر. و ما الصحيح إلا ما ذكرت لك ابتغاء الحق و الصدق.
يدعي المستشرق الألماني العلامة "هرسفلد" أنه جامع المتوكل، و هيهات ذاك، فلقد بحثنا هذه المقالة و فحصناها و محصناها، فلم نجد لها سبباً إلى الوثوق و لا مؤدى إلى الصحة، فعبد الرحمن الاربلي المؤرخ تلميذ علي بن أنجب المعروف بابن الساعي كبير مؤرخي العراق في القرن السابع للهجرة، قد قال في أخبار المعتصم: "و بنى الجامع الكبير و أنفق على ذلك خمسمائة ألف دينار، و جعل وجوه حيطانه مرايا بحيث يرى القائم في الصلاة من يدخل خلفه، و بنى المنارة التي يقال أنها إحدى العجائب.." و لم تزل ملاصق المرايا ثابتة في الجدران حتى لتراها إذا أنعمت النظر في الرسم، أما الذي شاهد هذا الجامع فيعرف أنها ملاصق مرايا و إن لم يقف أحد على أرها، و منارة هذا الجامع تسمى اليوم بالعراق "الملوية" و هي تسمية مطابقة لطراز بنائها.



دار المسناة:


دار المسناة ببغداد داخلة ضمن قلعة المدفعية مشرفة على دجلة، لم يبق منها إلا إيوانها و بعض حجراتها و مخادعها. و لئن دخلت هذا الإيوان لتجدن روح البناء و فتنة النظر و مدعاة العجب إن كان لفن البناء الإسلامي غاية فهي في هذا القصر، و إن كانت الأرواح تفرغ في هذا الفن فلقد أفرغ بناؤه روحه فيه، زخرفة عجيبة و تذويق جميل. و لو أمكن أن يكون العلو سفلاً لألفيت الإيوان و أعالي الأبواب و سقوف الحجرات رياضاً و حدائق مختلفة أزهارها متباينة ألوانها فكأنها آمال الشباب و زينة العرائس و نزهة المستنزه و رسوم الأشواق، و ألوان السعادة.
و هذا القصر قريب من سور بغداد الشرقية في جهة الشمال. و هو قصر أبي العباس أحمد الناصر لدين الله أسد بني العباس كافة و أعظم ساستهم قاطبة و محي خلافتهم بعد موتها. ولي الخلافة عند وفاة أبيه المستضيء بنور الله. و ذلك سنة 575هـ و توفي سنة 622، فخلافته أطول الخلافات ببغداد بل بالعراق، و لم يعرف أحد غيرنا أن هذا القصر له لأن المشتغلين بتاريخ الخطط قليلون. و قد رأى ابن جبير الرحالة هذا هذا الخليفة الدلهية ببغداد سنة 580هـ و ذكر قصره، قال: "و قد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكباً في زورق و قد يصيد في بعض الأوقات في البرية و ظهوره على حالة اختصار، تعمية على العامة، فلا يزداد أمره مع هذه التعمية إلا اشتهاراً، و هو مع ذلك يحب الظهور للعامة و يؤثر التحبب لهم، و هو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء و عدلاً و طيب عيش، فالكبير و الصغير منهم داع له، أبصرنا هذا الخليفة المذكور (و هو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف، و يتصل نسبه إلى أبي الفضل جعفر المقتدر بالله إلى السلف فوقه من أجداد الخلفاء – رضوان الله عليهم) بالجانب الغربي أمام منظرته و قد انحدر عنها صاعداً في الزورق إلى (قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط) و هو في فتاء من السن..".
و كان الناصر قد وقف خزانة كتب في هذا القصر، فقد قال القفطي في ترجمة "مبشر بن أحمد" البغدادي المهندس: "و تميز في أيام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد و قرب منه و اعتمده في اختيار الكتب التي وقفها بالرباط الخاتوني السلجوقي و بالمدرسة النظامية و بدار المنساة، فإنه أدخله إلى خزائن الكتب بالدار الخليفية و أفرده لاختيارها...". أما أول من تحقق أن اسم هذا القصر "دار المنساة" فهو كاتب فاضل و صديق كريم، و ذكر ذلك في مجلة لغة العرب و أتى بشواهد عدة على صحة هذه التسمية من كتاب "الحوادث الجامعة في المائة السابعة" لكمال الدين عبد الرازق بن الفوطي، و قد تولينا طبع هذا الكتاب و إصلاحه و التعليق على ما فيه.




منارة جامع الخليفة:



image
أول ما يفجؤك من قولي عن هذه المنارة أنها ليست من آثار بني العباس، و لكنها بنيت في جامعهم بعض انقراض دولتهم باثنتين و عشرين سنة، و هي إحدى عجائب الدنيا حقاً و أعظم منارات البلاد الإسلامية قديماً و حديثاً (راجع الرسم 2) تبعث الهيبة في النفوس و تمثل العظمة أجلى تمثيل، مبنية بالآجر المؤلف ظاهره أشكالاً متكسرة الخطوط بديعة التنسيق، و قاعدتها ذات طاقات و أواوين صغيرة فهي كدار المنساة من حيث الإتقان و سمو الفن، أما حوضها –كما يقول أهل بغداد- فمثل قاعدتها في التجميل بأواوين و طاقات لطاف يحار في وصفها الإنسان، و يظهر عليها إمارات فن مفقود و صنعة مضاعة، فأبى الدهر أن يأتي بمثل بانيها أو يعيد الفن المضاع بين الحسرة و الزفرة! و هي ممنطقة من تحت الحوض بمنطقتين من الآجر بينهما كتابة بالخط الكوفي، بنيت على عهد "أباقا خان بن هولاكو خان" الإيلخاني سلطان العراق و في ولاية علاء الدين عطا ملك الجويني الفارسي للعراق، و ذلك سنة 678هـ على ما جاء في الحوادث الجامعة، و تم بناؤها في ثماني سنوات.

قال ابن الفوطي في حوادث سنة 670هـ: "و فيها أمر علاء الدين صاحب الديوان بتجديد عمارة منارة جامع الخليفة، و كان صدر الوقوف يومئذ شهاب الدين –علي- بن عبد الله، فشرع في ذلك و أنجزت في آخر شعبان ثم سقطت في شهر رمضان بعد فراغ الناس من صلاة التراويح و لم يتأذ أحد ممن كان هناك".
ثم قال في حوادث سنة 678هـ: "و فيها تمت عمارة منارة جامع الخليفة، و كانت قد سقطت في شهر رمضان سنة سبعين".
و باني هذا الجامع "المكتفي بالله" و يسمى جامع القصر (قصر التاج)، و الذي أوضح أنه جامع سوق الغزل الحالي ببغداد هو العلامة المؤرخ "لسترنج الإنجليزي" و قد أصاب الحقيقة و تكلم حقاً، لأن كل الروايات التاريخية دالة على صحة قوله.
و قال ابن الطقطقي: "كان المكتفي من أفاضل الخلفاء و هو الذي بنى المسجد الجامع بالرحبة ببغداد".
و قد فصل أخبار هذا الجامع و منارته صديقنا البحاثة يعقوب سركيس في لغة العرب.

منارة قبر معروف الكرخي:



image
إنها لمن أعاجيب الفن و بدائع الصناعة و غرائب الإتقان، يرى الرائي في أسفل حوضها من الخارج طاقات و أواوين صغاراً لطافاً تدل على غرام بالفن و ولع بالتفنن و حب للتنسيق –كما ترى في الرسم (3) إذا أنعمت النظر فيه- بناها أبو العباس الناصر لدين الله المتقدم الذكر باني دار المنساة. و يدل على ذلك كتابة منقوشة في إحدى الطاقات اللطاف و نصها: "بنيت هذه المنارة سنة اثنتي عشرة و ستمائة". و قد قدمنا أن الناصر تولى الخلافة سنة 575هـ و توفي سنة 622هـ، و قد ذكر علي بن الأثير أن ولي عهد الناصر و هو ابنه أبو الحسن علي توفي سنة 612 و دفن في تربة جدته عند قبر معروف الكرخي فسنة عمارة المنارة سنة وفاة الأمير. و لعل ذلك كان سبباَ لبنائها. أما جدته فهي التي تقدم ذكر رباطها المعروف بالخاتوني و علقنا به كلمه، توفيت في شهر ربيع الآخر سنة 599هـ و أخرجت جنازتها ظاهرة و صلى الناس عليها و دفنت في التربة التي بنتها لنفسها و كانت كثيرة المعروف.

منارة مسجد الحظائر:


image
بنيت هذه المنارة على طراز عجيب يشبه طراز منارة معروف الكرخي، كما ترى في الرسم (4)، و يسمى هذا المسجد اليوم بجامع الخفافين و هو على دجلة تحت المدرسة المستنصرية، و كان بينه و بين هذه المدرسة دار لأحد أمراء الدولة العباسية، و قد ضمت هذه الدار إلى دائرة "المكوس" التي هي في الحقيقة "المدرسة المستنصرية"، و لما انتقلت إدارة المكوس سنة 1932م من هذا الموضع بقي مخزناً للبضائع المصدرة و المستوردة، و قد ذكر هذا المسجد ابن الفوطي أيضاً، قال عن حادثة الغرق ببغداد سنة 646هـ: "و نبع الماء من أساس حائط المستنصرية و من دار سنقرجا زعيم خوزستان المجاورة للمستنصرية و مسجد الحظائر المعروف بأم الناصر المجاور لهذه الدار".
فالمنارة إذن مما أمرت ببنائه "زمردخاتون" أم الناصر لدين الله المذكورة آنفاً، قال عنها عبد الرحمن الاربلي في خلاصة الذهب المسبوك: "إسمها زمردخاتون أدركت خلافته... و لها فضل عظيم في عمارة المساجد و المشاهد و الربط و غير ذلك".


المستنصرية و ساعتها:

image


تقدمت الإشارة إلى هذه المدرسة و هي اليوم خربة إلا جدارها المشرف على دجلة كما ترة في الرسم (5) فإنه قد رمم، و إلا إيواناً مشطوراً، فأحد الشطرين اتخذ دكاناً لبائع "فرني" و الآخر اتخذ مخزناً لبضائع "دائرة المكوس" و كانت على بابها كتابة فاقتلعتها ابنة "جرتروديل" المدير الفخري للمتحفة العراقية قبلاً، و ضمتها إلى ما في تلك المتحفة من الآثار، و بقيت جملة من الكتابة على جدار لها ملحق بدكان شياءتنص على أن بناء المدرسة قد تم سنة 631هـ، فخرباتها اليوم كالنهب المقسم، أما ساعتها المائية العجيبة فقد استفرغت طاقتي في انتزاعها من ضمير التاريخ كلمات، و إحالة وصفها تصويراً يرسم تلك العظمة و يمثل تلك الصنعة كما ترى في الرسم (6).
كانت الساعة في إيوان قبالة المستنصرية، تكامل بناؤه سنة 633 و بني تحته صفة يجلس فيها الطبيب و عنده جماعته الذين يشتغلون عليه بعلم الطب و يقصده المرضى فيداويهم، و بني في جدار هذه الصفة دائرة و صورت فيها صورة الفلك و جعل فيها طاقات لطاف لها أبواب لطيفة، و في الدائرة بازيان من ذهب واقفان في طاستين من ذهب، و وراءها بندقتان من شبه لا يدركهما الناظر، فعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازين و تقع منهما البندقتان، و كلما سقطت بندقة انفتح باب من أبواب تلك الطاقات، و الباب من ذهب فيصير داخله مفضضاً، و إذا وقعت البندقتان في الطاستين ذهبتا إلى مواضعهما ثم تطلع شموس من ذهب في سماء لازوردية في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية، و تدور مع دورانها و تغيب مع غروبها فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر، ثم يبتدئ في الدائرة الأخرى إلى انقضاء الليل و طلوع الشمس. و أحسب أنا أن أبا المعالي القاسم بن أبي الحديد أراد هذا الإيوان بقوله:
ما مثل الفلك العظيم لمبصر	=في الأرض قبل إبالة المستنصر
انظر تجد نظم الثريا في ذرا =شرفاته و ضياء نور المشترى
فالأفق بين مفضض و مذهب =و الجو بين مكوفر و معنبر
و مما أثبته التاريخ أن أبا الفرج عبد الرحمن بن الجوزي قتيل هولاكو قال في هذا الإيوان:
إيوان حسن وضعه مدهش


يحار في منظره الناظرون

صور فيه فلك دائر


و الشمس تجري مالها من سكون
=دائرة من لازورد حكت
=قطة تبر فيه سر مصون

فتلك في الشكل و هذي معاً
=كمثل هاء ركبت وسط نون





image
6- ساعة مائية عجيبة موجودة في إيوان قبالة المدرسة المستنصرية، و هي تشير إلى الوقت ليلاً و نهاراً بواسطة بندقتين تسقطان من فمي بازين، و كلما سقطن بندقة انفتح باب من الأبواب الاثني عشر الظاهرة في الرسم فيدل هذا الباب على الوقت حسب ترتيبه، أما الشموس الظاهرة في الصورة فإنها تظهر نهاراً وقت شروق الشمس و تغيب وقت غروبها، و كذلك تظهر الأقمار الموجودة في الرسم ليلاً.

مقالة آثار بني العباس في العراق – المنشورة في مجلة الهلال.
تأليف: د. مصطفى جواد.
المراجع:
خلاصة الذهب المسبوك المختصر من سير الملوك ص162.
رحلة ابن جبير ص206 طبعة مطبعة السعادة بمصر.
كان بالجانب الغربي من بغداد و هو منسوب إلى "زمردخاتون" أم الخليفة الناصر و كانت سيدة كريمة مهذبة صالحة.
أخبار الحكماء ص177 طبعة مطبعة السعادة بمصر.
يراجع في ذلك تاريخ: Baghdad during the Abbasid Califate ص243، 252-253، 269، 278، 317، 320، 324، 338، 343.
الفخري ص191 طبعة المطبعة التجارية.
الكامل 12/127.
الكامل 12/77.
و هو خبز جوانبه مضمومة إلى وسطه يشوى ثم يروى سمناً و لبناً و سكراً، و يسميه البغادة اليوم "الكاهي".
الشياء بائع الشاي.
الحوادث الجامعة ص 82-83.
الحوادث ص 56.
آثار البلاد و أخبار العباد لعماد الدين القزويني المتوفى سنة 682 و الحوادث الجامعة ص84.










1- منظر عام لجامع المعتصم بالله بسر من رأى
[center]image


2- منارة جامع الخليفة


image

3- منارة قبر معروف الكرخي
image


4- منارة مسجد الحظائر


image

5- حائط المدرسة المستنصرية[/color]

image



توضيح:المقالة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تمثل وجهة نظر الكاتب.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3657


خدمات المحتوى


د. مصطفى جواد -مؤرخ عراقي
تقييم
1.00/10 (7 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو