Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



وصف بغداد في العصر العباسي
06-17-2011 06:11 AM

وصف بغداد في العصر العباسي

د. خير الله سعيد – شاعر و ناقد عراقي




لعب المكان دوراً هاماً في قيام بغداد، تاريخاً و حضارة، إذ كان لحسن اختيار المنصور أثره البالغ في نهضتها الثقافية و الحضارية و الروحية، فلقد كانت بغداد، مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة، و كانت لستين شخصاً فعوضهم المنصور عوضاً أرضاهم، و عندما قر رأيه على المكان، شاور أصحابه فيها فقالوا له تجيئك الميرة في السفن من الصين، و الهند و البصرة و واسط في دجلة، و من أرمينيا و ما اتصل بها في تامرا حتى تصل الزاب و من الروم و آمد و الجزيرة و الموصل في دجلة و أنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك، إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر و أخرجت القناطر، لم يصل إليك عدوك و أنت من دجلة و الفرات لا يجيئك أحد من المشرق و المغرب إلا احتاج إلى العبور، فدجلة و الفرات خنادق لأمير المؤمنين.

image

هذه الآراء من لدن أصحاب المنصور، تعبر عن رؤية راجحة، تضمر في طياتها أبعاداً اقتصادية و عسكرية و اجتماعية، و تكشف عن توسط المدينة العراق، و الوصف يظهر احتضان دجلة و الفرات لها، و هذه المسألة تفرض بعداً جمالياً طبيعياً على المدينة من خلال الموقع، قد أدركه المنصور ذاته، و بغية أن يتحسس طبيعة المكان بجماليتها، أمر أن ينظر إلى المخطط على الطبيعة، قبل الإنشاء، فخطت بالرماد و أقبل يدخل من كل باب و يمر في فصلانها و طاقاتها و رحابها و هي مخطوطة بالرماد، فأمر أن يحفر الأساس على ذلك الرسم. فأنشأ المدينة في سنة 145هـ شكل "مدينة مدورة" على الضفة اليمنى من نهر دجلة في الزاوية المتكونة بين مجرى الفرات و مجرى دجلة شمالاً و سماها مدينة السلام.
خضع إنشاء المنصور لبغداد على شكل "مدورة" لبعدين مهمين، الأول أمني-إداري، و الثاني جمالي-حضاري، فمن الناحية الأولى يذكر الخطيب البغدادي، خبراً أورده على لسان وكيع يقول: إن أبا جعفر بنى المدينة مدورة، لأن المدورة لها معان سوى المربعة، و ذلك أن المربعة إذا كان الملك في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض، و المدور من حيث كل قسم كان مستوياً لا يزيد هذا على هذا، و لا هذا على هذا، و بنى لها أربعة أبواب، و عمل عليها الخنادق، و عمل لها سورين و فصيلين، بين كل بابين فصيلان، و السور الداخل أطول من الخارج، و أمر –المنصور- أن لا يسكن تحت السور الطويل الداخل أحد و لا يبنى منزلاً، و أمر أن يبنى في الفصيل الثاني مع السور النازل، لأنه أحصن للسور، ثم بنى القصر و المسجد الجامع.
و هذا الإجراء، هو أمني صرف، و هي حالة كانت سائدة في تلك العصور عند بناء المدن و القلاع و الحصون.
أما البعد الثاني لبنائها مدورة، فيتجلى في ملامحها الجمالية و الحضارية، حيث أن الطريقة التي سلكت في تخطيط هذه المدينة و مقارنة لها مع مدن العراق الأخرى، الأقرب إليها كالكوفة و البصرة و واسط و غيرها من المدن الإسلامية، فالفكرة التي أوحى بها المنصور إلى المهندسين لبناء المدينة تبين أن هناك تجاوباً و تمازجاً بين الموحي و الموحى إليه فقد نقل أنه بعدما رسمت المدينة على الأرض بالرماد، وضعت فوق تلك الخطوط كرات من القطن، ثم صب عليها النفط و أشعلت فيها النيران، بغية إبراز شكلها بصورة واضحة أما المنصور.

و ما أن استوطنت المدينة بالناس، حتى بدأت أعمال التشجير و التزيينو حفر الترع و الأنهار يمتد إلى داخلها و خارجها، فقد كان سيقي مزارع بغداد الغربية و بساتينها ما يزيد على ثمانية أنهار بين كبير و صغير غير القنوات التي كانت تجري تحت الأرض في محلة الحربية أضف إلى ذلك ثمانية أنهار أخرى تسقي مزارع الجانب الشرقي من المدينة، حيث أن الجو في بغداد، شديد الحرارة لجأ البغداديون إلى زرع بغداد و إحاطتها بالأشجار و البساتين لتلطيف جوها، يضاف إلى ذلك، أنهم أخذوا يستعملون جرار الفخار الكبيرة، المسماة بـ"الكيزان" لتبريد الماء، و قد يضيفون إليه الثلج، و هي ظاهرة مألوفة لا تزال حتى اليوم، و قد قال أبو إسحاق الصابي، يذكر هذه الكيزان و الثلج، و هو بالبصرة، و قد حن إلى بغداد:

لهف نفسي على المقام ببغداد=	و شربي من ماء كوز بثلج
و قد عرفت بغداد الديارات و التي كانت من المواضع التي لا تفارقها الخضرة، تحفها البساتين و الحدائق، و من أشهر الديارات في بغداد الغربية، دير أشموني بقطربل، و دير مديان على نهر كرخايا، و في بغداد الشرقية دير سمالو بباب الشماسية على نهر المهدي و دير درمالس و دير الثعالب و غيرها. كما أن الفواكه و الغلات الزراعية كانت قد انتشرت زراعتها في بغداد، و على جانبيها، و قد ذكر ياقوت الحموي أصنافاً منها، مثل – فواكه منطقة العباسية حيث عرف بها الباقلي العباسي، و اشتهرت بها منطقة الزندورد في بغداد، فهذه المزايا الطبيعية لبغداد، تجعل منها بهجة للنفوس، و مرأى للرائي، و بستاناً يستراح به، و أداة لتحفيز و تنشيط الذاكرة و تنشيط المخيلة، و تحريك سواكن النفس، و قد كان للمكان أثره في أذهان الناس، من مختلف الأجناس، و الطبقات و المشارب، حتى غدت حديث السمر للمسافر، و ديباجة الأدب للأديب، و قافية الشعر للشاعر، و استهلال الكلام للمترسل، و عنوان البلاغة للبليغ، وصفها الجاحظ قائلاً: "قد رأيت المدن العظام، و المذكورة بالإتقان و الأحكام، بالشامات و بلاد الروم، و في غيرها من البلدان، فلم أر مدينة قط أرفع سمكاً، و لا أجود استدارة، و لا أنبل نبلاً، و لا أوسع أبواباً، و لا أجود فصيلاً من الزوراء، و هي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صبت في قالب، و كأنما أفرغت إفراغاً، و الدليل على أن اسمها الزوراء، قول سلم الخاسر:

"أين رب الزوراء إذ قلدته الـ ..... الملك عشرين حجة و اثنتان"
مدينة جديدة، وأماكن تسر النفس، و خيرات متوفرة، و طبيعة غناء، و ثقافات مختلفة، و شخصية للدولة قوية، كل هذه الأمور تفاعلت في بنية المجتمع البغدادي، و أثرت فيه، فرفعت وعيه، و شذبت أخلاقه، و من القمة إلى القاع، و ظلت الملامح المدنية الجديدة ترتفع بوتيرتها، حتى غدت بعض السمات الاجتماعية تحدد ملامح هذه البيئة البغدادية، و هو ما عرف –فيما بعد- بـ"الظرف البغدادي" و انتقل صداه إلى بقية الأمصار الإسلامية، و تحدث به الركبان، و هناك وصف دقيق للأخلاق البغدادية أورده ظهير الدين الكازروني في إحدى مقاماته يقول فيها: "كنت أسمع من جواب الأقطار، و طراق البلاد و الأمصار، أن دار السلام هي كعبة الإسلام، و حرم الإمام و معدن الكرام، و دار الخلافة، و محل الأمن من المخافة، و بها مقر الملك و سريره، و إمام العصر و أميره، خليفة الله و ابن عم نبيه الأواه. تذعن الملوك بالطاعة لسلطانها و تتداكك على أبوابه لتقبيل أركانها، و العدل بها ممدود الرواق، و العلم مديد الأطناب في الآفاق و الدين منشور اللواء، و الإسلام محروس الجناب بالخلفاء، و قطانها أعذب الناس أخلاقاً، و أكثرهم حياء و إطراقاً، و أثقب العالم بصيرة، و أعدلهم سيرة، و أصفاهم سريرة، و أدمثهم للصديق، وأحناهم على الصاحب و الرفيق، و زاهدهم العلم المشهور، و القدوة المشار إليه في الأمور، و عوامها السوقة، تغتنم مفاكهتهم و تروق مجالستهم، أخلاقهم عذبة للصاحب، و خواطرهم من أعجب العجائب، و يسبق إدراكهم البرق اللامع، و يدهش ذكاؤهم الرائي و السامع، قد اعتدل هواؤها، و طاب فناؤها، و عذب ماؤها، و رقت أسحارها، و ورفت أشجارها، فهم في خفض من العيش يتقلبون. (لهم دار السلام عند ربهم، و هو وليهم بما كانوا يعملون)".


و عن هذه الأخلاق يتحدث ذا النون المصري و هو في مصر يقول: "من أراد أن يتعلم المروءة و الظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد، قيل له: و كيف ذاك؟ فقال لما حملت إلى بغداد و رمي بي على باب السلطان مقيداً، مر بي رجل متزر بمنديل مصري، معتم بمنديل ديبقي، بيده كيزان خزف رقاق، و زجاج مخروط. فسألت: هذا ساقي السلطان؟ فقيل لي: لا. هذا ساقي العامة، فأومأت إليه: اسقني. فتقدم و سقاني، فشممت من الكوز رائحة مسك، فقلت لمن معي: ادفع إليه ديناراً. فأعطاه الدينار، فأبى و قال: لست آخذ شيئاً. فقلت له: و لم؟ فقال: أنت أسير و ليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً، فقلت: كمل الظرف في هذا". فالملاحظ، أن هناك تخلق عام، دأبت عليه بغداد، و صار ملازماً لأبنائها، به يتفاخرون، و عليه يهتدون، فكأن الخروج عنه، هو إخلال بظرفهم، و قد أوضح لنا السقا الذي سقى ذا النون المصري تلك السجايا المتواترة عند عامة بغداد.
و هذا التخلق، تضافرت فيه عدة عوامل، تطرقنا إلى أغلبه في سياق الحديث، و قد توقف عندها غالبية المؤرخين، الذين تحدثوا عن أخلاق أهل بغداد و عاداتهم أثر البيئة و المكان فيها، و قد سلط الضوء في هذه النواحي الخطيب البغدادي، في أكثر من مكان و موقف، مازجاً بين تأثير المكان و تأثير الإنسان المتبادل على الواقع الاجتماعي، يقول:

"قال أبو الحسين: هذا إلى تركنا ذكر أشياء كثيرة من مناقبها التي أفردها الله بها – يقصد بغداد- دون سائر الدنيا شرقاً و غرباً، و بين ذلك من الأخلاق الكريمة و السجايا المرضية، و المياه العذبة الغدقة، و الفواكه الكثيرة الدمثة، و الأحوال الجميلة، و الحذق في كل صنعة، و الجمع لكل حاجة، و الأمن من ظهور البدع، و الاغتباط بكثرة العلماء و المتعلمين، و الفقهاء، و المتفقهين، و رؤساء المتكلمين، و سادة الحساب و النحوية، و مجيدي الشعراء،و رواة الأخبار،و الأنساب و فنون الآداب، و حضور كل طرفة،و اجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد، لا يوجد ذلك في بلد من مدن الدنيا إلا بها، سيما زمن الخريف، ثم إن ضاق مسكن بساكن، وجد خيراً منه، و إن لاح له مكان أحب إليه من مكانه، لم يتعذر عليه النقلة إليه، من أي جانب من جانبيه أراده، و من أي طرف من أطرافه خف عليه، و متى هرب أحد من خصمه وجد من يستره في قرب أو بعد".

و قد أفرزت بغداد و بيئتها أعلاماً في الأخلاق و الأدب، و الفلسفة و العلم، و الطب، و الرياضيات، و الفقه و علوم الدين، و أكثر من غيرها، ليس للعرب وحدهم، بل لكل الأقوام الذين عاشوا بها، و تربوا على آدابها، و تتلمذوا في مدارسها، و تخلقوا بأخلاقها، فزهت بهم، و زهوا بها، و راحوا يذكرونها في أشعارهم و آدابهم و فنونهم، فحفظت لهم مدوناتها ما قالوه فيها، و حفظته لهم من نسيان الدهور.
ثمة مسألة هامة رافقت بناء بغداد، و ظلت تلازمه حتى اليوم هي الملامح الاجتماعية، ذات الصبغة الشعبية، فقد رافقتها منذ تجمع الناس للعمل في أساسات مدينة المنصور، و ظل هذا التمازج ينمو و يتطور و يتأصل، شيئاً فشيئاً، حتى طبع المدينة بطابعه، و صارت الحميمية الاجتماعية، للمحلة أو الدرب، أو السوق، تدلل على خصوصية معينة لتلك البيئة و تشير إلى أهلها، و قد أورد أبو المطهر الأزدي كثيراً من هذه الطبائع عند أهل بغداد و نواحيها، و ملابسهم و ثيابهم و بيوتهم، مع فارق التميزات بين مكان و آخر و قد استطاعت معالم المدينة أن تبقى راسخة في أذهان من دخلوها أو وصفوها، تستنطقهم محالها، و تذكرهم جسورها و أسواقها، و تثيرهم أبنيتها و أنهارها، و يتفاخر صاحب "حكاية أبي القاسم البغدادي" بجانبيها على أهل أصفهان، فيقول عن الرصافة: "هل في أصبهان ما يشبه إن شئت من شرقي بغداد –الرصافة- باب الطاق، سوق يحيى، شارع البردان، درب الريحان، درجة يعقوب، طرف الجسرين بين القصرين الزاهر، الشماسية، مربعة الحرسي، سوق الثلاثاء، باب الأزج، الورادين، المأمونية، دار الخليفة". ثم يعكف على مقارنة أصفهان بالجانب الغربي –الكرخ-، يقول: "و إن شئت من غربيها، النجمي، الرقة، نهر عيسى، نهر طابق، سوق العروس، صف التوزي، درب عون، صينية الكرخ التي تسمى سوق النحاسين، طاق اللعب الشرقية، سوق الرفائين، سوق الحلائين، قطيعة الربيع، القطيعة المكشوفة، سويقة غالب". و غيرها. و هذه المناطق يكتسب أغلبها صفة شعبية، حتى أن أسماءها باتت معروفة بنمط معين من السلوك الاجتماعي و المهني، يعرفه أهل المناطق الأخرى، من البغداديين و غيرهم.

لقد كانت بغداد، حاضرة في أذهان الناس، منذ نشأتها الأولى، حيث عم الرخاء، و تنشطت الحياة الاقتصادية. يقول داوود بن صقر البخاري: رأيت في زمن أبي جعفر المنصور، كبشاً بدرهم، و حملاً بأربعة دوانيق، و التمر ستون رطلاً بدرهم، و الزيت ستة عشر رطلاً بدرهم، و السمن ثمانية أرطال بدرهم، و الرجل يعمل بالروزجار في السور، كل يوم بخمس حبات. و قال الحسن بن سلام: كان ينادى على لحم البقر في جبانة كندة تسعون رطلاً بدرهم، و لحم الغنم ستون رطلاً بدرهم، و العسل عشرة أرطال بدرهم.
تلك هي صورة مصغرة عن الحياة الاقتصادية اليومية لأهل بغداد، بصورة خاصة، و لأهل العراق، بصورة عامة، و لربما كانت أرخص، و هذه الحالة تبين مدى ازدهار حياة الناس اقتصادياً و ركونهم إلى الدعة و الراحة، الأمر الذي يحبب لهم بغداد، و التوطين بها، و تفضيلها على غيرها من الأمصار، لذلك ذاع صيتها، و تغنى أبناؤها بها، و ذكروها بحلهم و ترحالهم، و انطبعت محالها و أزقتها و حاراتها و أسواقها، في أذهانهم، و صارت مصدر تغن في سفر، و حديث سمار في السهر، و انعكس هذا الأمر على روادها و زوارها، و الضاعنين منها، و الوافدين عليها. قال أبو الوفاء بن عقيل – أحد قاطنيها: سألني صدر من صدور طريق خراسان عن بغداد و ما أدركت بها فقلت: لا أذكر لك أمراً تكاد تستبعده، فأذكر لك محلتي و هي واحدة من عشر محال، كل محلة كبلد من بلاد الشام، و هي المعروفة بـ"باب الطاق"، أما شوارعها فشارع مما يلي دجلة، من أحد جانبيه قصور على دجلة، طراز ممتد من عند الجسر إلى أوائل "الزاهر" و هو بستان للملك، نحو مائتي جريب، و جانبه الآخر مساجد أرباب القصور و مساكن غلمانهم، و في خلال ذلك اصطبلاتهم، ثم يليه من يمنته عند الجسر سوق يحيى الجامعة بين دور الوزراء و الأمراء مما يلي الشط، و في الجانب الغربي لسوق يحيى، الدكاكين العالية و الدروب العامرة، و من دقاقين و حلاويين، ثم نهاية الدور الشاطئية، دار معز الدولة ذات المسناة، التي عرضها مائة آجرة، و كان لها الروشن البديع، فهذا طراز باب الطاق الشاطئ، فأما دواخلها، فأوائلها العرصة التي عند رحبة الجسر و التي تنقسم إلى فرعين عظيمين، أحدهما للأساكفة، ثم سوق الطير، و هو سوق يجمع الرياحين، و في حواشيها الصيارف الظراف، و أصحاب الطيالس، و فاخر الملابس، ثم سوق المأكول و الخبازين و القصابين، و سوق الصاغة لم يشاهد أحسن منه بناء شاهق،و أساطين ساج، عليها غرف مشرفة، ثم الوراقين سوق كبيرة، و هي مجالس العلماء و الشعراء، ثم سوق الرصافة، عظيمة جامعة، ثم شارع الترب و قصر المهدي و جامع الرصافة، و درب الروم، و شارع عبد الصمد، و السقايات العجيبة في طريق الجامع ذات الأجراس الكثيرة، كان هذا الوصف لبغداد الرصافة، أما الجانب الغربي من بغداد، فهو محلة الكرخ، ذلك القسم الهام، و الرئيسي و الأكبر من بغداد، يقول عنه المتحدث أبو الوفاء: من الجانب الغربي الكرخ و شاطئه قصور منتظمة ذات دواليب و بساتين و رواشن متقابلة، و بين يدي ذلك دار خيطية مشذبة لرب الدار، مسرجة بالحلية المليحة و الرجاشات العجيبة، و يتوقف ابن الجوزي ملياً مع المتحدث، ليذكر تفاصيل دقيقة عن شاطئ دجلة – في جانب الكرخ، و كأنه يتعشقه، أو عاش فيه أكثرية حياته، فانعكاس المكان، بكل تفاصيله حاضر في الذهن و النص، يقول: "البط يتلاعب في مشرعة الدار الشاطئية، و لربما اختلطت أصوات أغانيها برنيم دواليبها، و نقيق بطها، و ضجة غلمانها و خدمها، و دجلة تنسل بين شاطئ قصورها الشاطئية، و لقد نزلت كثيراً في سميرية منحدراً فما أزال أسمع هذه الأنغام من شرعة الجسر بباب الطاق إلى باب المراتب، و كان لدور الشط أبواب إلى شوارعها، و على كل باب مراكب مندرجة، مهيأة لركوب الظهر، كما بين أيدي رواشنها خيطية أو زبزب لركوب الشط، و الناس كأنهم في دعوة، لا تخلو من ختان صبي، أو زفاف امرأة، و في السبوت مجالس القراء على الكراسي بالألحان، و حلق العلاج و الصراع، و مسابقة السفن. و من أحسن القصور كانت دار الفخرية بالغربي، و دار المملكة بالشرقي، و لم يكن للدار العزية مثل دار بلدرك و الحريم الطاهري و دوره الشاطئية، و سوره الدائر، و بابه الحديد، و دار الأمير حسن بن إسحاق بن المقتدر، الذي عرضت عليه الخلافة فأباها، و وراء الحريم شارع دار الرقيق و هي محلة كبيرة كثيرة المنازل العجيبة، ثم درب سليمان و المارستان، و سوقه العجيب، ثم دار النقابة الشاطئية. و يستطرد المتحدث في الإسهاب لوصف جانبي بغداد –الكرخ و الرصافة- من خلال ما يحيط بدجلة من أبنية و شوارع و دور و غيرها. يقول: "و كنت أسمع من المشايخ أن بدجلة خمسمائة مصفرة مزينة لا يركب فيها إلا ظراف التجار و الأجناد و أرباب المقاطعات، و الرجل و غلامه، و الملاحون بالثياب الجميلة، ثم باب البصرة، ذات السكاك البعيدة، و من الجانب الشرقي (الزاهر) بستان عظيم جامع للنخل و الأزهار، و وراءه ثلاث محال، سوق السلاح و المخرم و سوق الداية، و تمتد العمارة إلى نهر المعلى، و دار الخلافة و تاجها العجيب، و هي بنفسها بلد، و باب المراتب، محلة تختص بالكبراء و أرباب المناصب، و باب الأزج و المأمونية، و في الجانب الغربي قصر عيسى و قصر المأمون و التوثة و غير ذلك". ثم يضيف: "و جمعت الكرخ منازل عجيبة، بديعة البناء و فيها درب الزعفران و فيه الدار العجيبة، و درب رياح و شارع ابن أبي عوف و باب محول، و كان بسور الحلاويين خزانة كتب فيها اثنا عشر ألف مجلد، و كانت أسواق الكرخ، و باب الطاق، لا يختلط العطارون بأرباب الزهائم و الروائح المنكرة، و لا أرباب الأنماط بأرباب الإسقاط، و كان لأرباب المروءات دروب تخصهم، و درب الزعفران بالكرخ لا يسكنه أرباب المهن، بل أهل البز و العطر، و درب سليمان في الرصافة مقصور على القضاة و الشهود و كبار التجار".
إن ابن الجوزي يصور بغداد بكل تاريخها و حضارتها، و كأنه يريد القول، أن بغداد كانت دينه و دنياه، يتعصب لها من خلال الوصف، فماذا يقول من يجبر على مغادرتها؟ يقول أحدهم في فراقها:
لعمري لقد فارقتها غير طابع


و لا طيب نفساً بذاك و لا مقر

فيا ندمي إذ ليس تغني ندامتي


و يا حذري إذ ليس ينفعني الحذر

و قائلة ماذا نأى بك عنهم


فقلت لها لا علم لي فاسألي القدر

و سحرت بغداد كل الذين زاروها من الأدباء و الشعراء و الظراف و غيرهم من كافة طبقات الناس و هم الأكثر حنيناً إليها، و في ذلك يقول ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة و الصبا


و لبست ثوب العيش و هو جديد

فإذا تمثل في الضمير رأيته


و عليه أفنان الشباب تميد


و ينقل ياقوت الحموي أبياتاً عن الخطيب البغدادي، مؤرخ بغداد عن أبي محمد الباقي:
دخلنا كارهين لها فلما


ألفناها خرجنا مكرهينا



و يعلق الخطيب على ذلك بقوله: يوشك هذا أن يكون في بغداد، قيل و أنشد لنفسه في المعنى و ضمنه البيت:
على بغداد معدن كل طيب


و مغنى نزهة المتنزهينا

سلام كل ما خرجت بلحظ


عيون المشتهين المشتهينا

دخلنا كارهين لها فلما


ألفناها خرجنا مكرهينا


و قد استطاع الخطيب أن يوجز وصفها بقوله: "لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها، و فخامة أمرها، و كثرة علمائها و أعلامها، و تميز خواصها و عوامها، و عظم أقطارها و سعة أطرارها و كثرة دورها و منازلها، و دروبها و شعوبها، و محالها و أسواقها، و سككها و أزقتها و مساجدها و حماماتها، و طرزها و خاناتها، و طيب هوائها و عذوبة مائها، و برد ظلالها و أفيائها، و اعتدال صيفها و شتائها، و صحة ربيعها و خريفها، و زيادة ما حصر من عدة سكانها، و أكثر ما كانت عمارة و أهلاً في أيام الرشيد، إذ الدنيا قارة المضاجع، خصيبة المراتع، موردة المشارع".
هذا الوصف، يجعلك ترسم خطاً بيانياً صاعداً للتطور الاقتصادي، و المنعكس بالضرورة على الواقع الاجتماعي، فتزدهر القيم الروحية، فتنهض الصناعات لتلبي الاحتياجات، و تنشط الحياة عموماً.
و في ضوء هذا النشاط يتألف الناس، و تشد الأواصر بينهم، فيأسرهم المكان، و تقودهم الذكرى إليه، يقول يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي رحمه الله، أيا يونس دخلت بغداد؟ فقلت: لا. فقال: ما رأيت الدنيا و لا الناس.
و من هنا ندرك مكانة بغداد في العالم الإسلامي قديماً، الأمر الذي وجه الكثير لزيارتها و الإقامة فيها للتزود في المعرفة و العلوم، فكثر سكانها، و تزاحمت الأبنية فيها، و ضاقت شوارعها بالناس، حتى أن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، لما قدمها، و رأى كثرة الناس بها قال:" ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلا ظننت أن الناس قد نودي فيهم". و كان من يغادرها و يبتعد قليلاً عنها، تتحرك سواكن نفسه، و يألفها مأسورة بالحنين، فما كاد الرشيد يغادرها إلى الحج، و بلغ زرود التفت إلى ناحية العراق و قال:
أقول و قد جزنا زرود عشية


و كادت مطيانا تجوز بنا نجدا

على أهل بغداد السلام، فإنني


أزيد بسيري عن ديارهم بعدا



و عندما ذكرها ياقوت الحموي في معجمه، بدأ الحنين يأخذ بتلابيبه، رغم أنه لم يمكث بها طويلاً، مثل بقية الأدباء و الشعراء، و حنينه يخفيه بين جوانحه، دون أن يصرح به، لكن شواهده الشعرية التي يوردها تفصح عن ذلك رغم أنه يورد شواهد شعرية أخرى لمن ذمها. لكن أبيات الشوق إليها أبلغ و أرق و أوقع، و من ذلك ما نقله عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير و طاهر بن المظفر بن طاهر الخازن، و كلاهما يذكر أمكنة معروفة و هامة من بغداد، و يذكرون القصور و الشوارع و الحارات، و دجلة و الجسور، ثم يذكرون أهلها و كرمهم و أخلاقهم، يقول الأول "عمارة":
ما مثل بغداد في الدنيا و لا الدين


على تقلبها في كل ما حين

ما بين قطربل فالكرخ نرجسه


تندى و منبت خيري و نسرين

تحيا النفوس برياها، إذا نقحت


و خرشت بين أوراق الرياحين

سقيا لتلك القصور الشاهقات و ما


تخفي من البقر الأنسية العين

تستن دجلة فيما بينها، فترى


دهم السفين تعالى كالبراذين

مناظر ذات أبواب مفتحة


أنيقة بزخاريف و تزيين

فيها القصور التي تهوي بأجنحة


بالزائرين إلى القوم المزورين

من كل حراقة تعلو فقارتها


قصر من الساج عال ذو أساطين


و يقول الثاني "طاهر بن المظفر":
سقى الله صوت الغاديات محلة


ببغداد بين الخلد و الكرخ و الجسر

هي البلدة الحسناء خصت لأهلها


بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر

هواء رقيق في اعتدال و صحة


و ماء له طعم ألذ من الخمر

و دجلتها شطان قد نظما لنا


بتاج إلى تاج و قصر إلى قصر

ثراها كمسك و المياه كفضة


و حصباؤها مثل اليواقيت و الدر


و حين أخذ الخلفاء بالتحول عنها إلى سامراء، تصدى الشعراء، لهذه الحالة، و انبرى لها من يحفزهم على البقاء، مصورين الأمر و كأنه شبه خيانة، مذكرين بأن الخروج منها لا يطمئن، و لكن الدافع السياسي كان أقوى، فغادروها، و يصف ابن الفقيه هذه الحالة على لسان الشاعر فيقول:
أعاينت في طول من الأرض و العرض


كبغداد داراً أنها جنة الأرض

صفا العيش في بغداد و اخضر عوده


وعيش سواها غير صاف ولا غض

تطول بها الأعمار إن مياهها


عذاب و بعض الماء أعذب من بعض

تنام بها عين الغريب و لن ترى


غريباً بأرض الشام يطمع في غمض

فإن خربت بغداد منهم بقرضها


فما أسلفت إلا الجميل من القرض

و إن رميت بالهجر منهم و بالقلى


فما أصبحت أهلاً لهجر و لا بغض



ابن الجوزي، مناقب بغداد، تحقيق محمد بهجت الأثري – بغداد، مطبعة دار السلام، 1342هـ، ص7.
المصدر السابق، ص8.
المصدر ذاته، الصفحة ذاتها.
انظر جواد، مصطفى. و سوسة، أحمد. دليل خارطة بغداد – بغداد: مطبوعات المجمع العلمي العربي، 1378هـ = 1958م، ص23.
و المحمول الديني واضح في التسمية، دار السلام. انظر الآية 127 من سورة الأنعام.
تاريخ بغداد، ص72-73.
مرزوق، محمد عبد العزيز. معهد الفن الإسلامي – بغداد: منشورات وزارة الإعلام العراقية، 1971م، ص17. و لاحظ مخطوط المدينة، نموذج رقم1.
للاستزادة و التفصيل في هذا الجانب، نحيل القارئ إلى الفصل الثالث، من كتاب دليل خارطة بغداد، ففيه معلومات وافية جداً.
انظر السوداني، مزهر. جحظة البرمكي، ط1 – النجف، 1977ن، ص10.
الثعالبي، يتيمة الدهر – القاهرة، 1352هـ = 1934م، 2/244.
انظر الشابشتي، الديارات، تحقيق كوركيس عواد – بغداد: مطبعة المعارف، 1951م، ص3، 9، 16، 18، 21، 30.
ياقوت الحموي، معجم البلدان – بيروت: دار صادر، 1376هـ - 1957م، 4 :75 و 3: 154. و كذلك مزهر السوداني، جحظة البرمكي، ص16.
تاريخ بغداد، 1: 77.
انظر ترجمته في الأغاني، بإشراف محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار الكتب المصرية – 1391هـ = 1972م، 19: 260-287.
مقامة في قواعد بغداد في الدولة العباسية، احقيق كوركيس عواد و ميخائيل عواد، نشرت في مجلة المورد، عدد خاص عن "بغداد". المجلد الثامن، العدد الرابع، 1400هـ = 1979م. ص421-440.
يقال: تداك عليه القوم، أي ازدحموا، هكذا أوردها المحققان في "المورد"، ص427. و لم أجدها في اللسان (مادة: دكك).
سورة الأنعام: الآية 126.
هو ذو النون بن إبراهيم المصري الإخميمي، أحد العلماء المتصوفة المشهورين، راجع ترجمته في طبقات الأولياء / لابن الملقن – ط1 – القاهرة: الخانجي، 1393هـ = 1973م، ص218.
تاريخ بغداد، 1: 50.
المصدر السابق، 1: 50-51.
راجع "حكاية أبي القاسم البغدادي"، ص35-48.
المصدر السابق، ص22-23.
يعرف الآن بـ"سوق الصفافير" و لا زال قائماً في الكرخ.
مناقب بغداد / لابن الجوزي - بغداد: نشره محمد بهجت الأثري، مطبعة دار السلام، 1342هـ، ص25.
الدانق هو سدس الدرهم.
مناقب بغداد، ص25.
أبو الوفاء، راجع مناقب بغداد، ص26.
الرجاشات = ما يثير العجب في النفس من زينة الأبنية و نقوشها و بديع محاسنها، انظر الهامش رقم2 و ص62 من المصدر السابق.
المصدر السابق، ص27.
السميرية = ضرب من السفن الصغيرة.
أنواع من السفن الصغيرة.
نوع من القوارب الصغيرة الخاصة.
مناقب بغداد، ص27-28.
انظر أبا المطهر الأزدي، حكاية أبي القاسم البغدادي، بعناية آدم ميتز – هيدلبرج، 1902م، ص25.
انظر ديوانه، تحقيق حسين نصار – القاهرة: مطبعة دار الكتب، 1979م، 2: 766.
معجم البلدان، مادة بغداد، بيروت: دار صادر و دار بيروت، 1374هـ = 1955م، 1: 463.
معجم البلدان، 1: 463.
تاريخ بغداد، القاهرة: مكتبة الخانجي و مطبعة السعادة، بغداد: المكتبة العربية، 1349هـ = 1931م، 1: 119.
أطرارها = جمع طر، شفير النهر و الوادي، و طرف كل شيء و حرفه، القاموس المحيط، مادة (طرر)، و أهل جنوب العراق يقولون (الطرة) للفلاة الواسعة من الأرض.
معجم البلدان، 1: 463.
المصدر السابق، 1: 462.
زرود – أرض رملية بين الثعلبية و الخزيمية بطريق الحاج من الكوفة، انظر: ياقوت، معجم البلدان، 3: 139، مادة زرود.
معجم البلدان، 1: 462-463.
راجع على سبيل المثال، 1: 461-464.
انظر ترجمته عند المرزباني، معجم الشعراء – القاهرة: مكتبة الدسي، 1354هـ، ص247.
معجم البلدان، 1: 462.
المصدر السابق، 463.
هو عند الخطيب البغدادي، عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفي و قيل لمنصور النمري. انظر تاريخ بغداد، 1: 68، و كذلك بغداد مدينة السلام، ص40.
ورد هذا البيت عند الخطيب البغدادي، 1: 68 بالشكل التالي:
تطول بها الأعمار إن غذاءها مريء و بعض الأرض أمرء من بعض.



توضيح: المقالة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تمثل وجهة نظر الكاتب.






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2466


خدمات المحتوى


د. خير الله سعيد – شاعر و ناقد عراقي
تقييم
7.75/10 (4 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو