Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



06-06-2011 11:09 PM

شاعر نكبة بغداد

الشريف نذير أحمد بك العباسي-موقع السادة العباسيين


مما لاشك فيه ان اجراءات المغول منذ نكبة بغداد حتى زمن اندحارهم على ايدي الدولة الجلائية كانت اعمالاّ وحشية لم تعاد البلاد غير التخريب والتدمير ولعل ضياع التراث العربي وانحطاط الحضارة الاسلامية من الشرق كان من هدم المغول المدارس البغدادية واحرقوا المكتبات ورموا جميع الكتب في قاع النهر كما ان انعدام الحياة السياسية العربية من ربوع هذه البلاد سببا في اقوال شعاع المدينة وانطفاء مصباحها المشرق.

وفي هذا العصر المشؤوم ولد ونشا الشاعر شمس الدين محمد بن احمد بن عبد الله الهاشمي الكوفي الواعظ . وقد اطلق عليه مؤلف الكتاب ( شاعر نكبة بغداد) وذلك لانه شاهد سقوطها بيد المغول ومافعلوه بالسكان ورثاها بشعر يفيض حزنا ويبعث في القلب الأسى لقد ذاع صيت هذا الشاعر في انحاء الدنيا العربية في القرن السابع الهجري حيث كان حامل لواء الادب العربي بعبقريته ونبوغه ولكن نأسف الاسف الشديد على ان قلة المصادر التاريخية الذي عثر عليها طمست حياة هذا الشاعر وزاد ذلك فقد ديوانه من المكتبة العربية وقد بذل مؤلف الكتاب جهدا كبيرا وأجهد نفسه لكي يتمكن من العثور على ديوانه مع ما فقد من عيون الكتب العربية في اثناء نكبة بغداد فما عثر , وعلى هذا بدأ بجمع شعره المتفرق فما وجد الا بضع قصائد منتشرة جمعها مع ترجمة الشاعر لكي تكون سجل حياته الخالدة. وذلك قد وفى جزءا يسيرا من حقه وبين أثره في تاريخ الادب العربي. ونرجوا ممن له وقوف على حياة هذا الشاعر او هنالك قصائد لم نقف عليها ان يساهم في نشرها لتضاف ضمن مجموعته خدمة لتاريخ الادب العربي ومن الله التوفيق.

اسرة الشاعر
تعد قريش من اشهر القبائل العربية في العصر الجاهلي وأعظمهم نفوذا واكثرهم كرما وجودا تمكنت ان تبسط سلطانها بفضل زعمائها على ارض الحجاز كما ظلت تحمي مكة المقدسة وقد ظهر فيها سنة 464هجري زعيم جليل هو هاشم بن عبد مناف كان سيد قومه تولى السقاية والوفاده كما استطاع ان يكون اسرة كبيرة سميت ألاسرة الهاشمية وهي التي تكونت من أولاده واحفاده وكانت هذه ألاسرة اكثر الاسر القريشية وطنية واخلاصاعلى مسرح السياسة العربية.ولما توفى هاشم تولى ولده عبد المطلب رئاسة قريش وكان هذا لايقل شأنا عن ابيه كريم الشمائل جليل المكانة سديد الرأي تزوج السيدة (سمراء بنت جندب) فانجبت له بولد أسمه الحارث الذي ساعده في حفر بئر (زمزم) حتى قال عبد المطلب لابنه الحارث (ذد عني حتى احفر فو الله لأمضين لما أمرت به).
كان الحارث شجاعا كريما رفيع المنزلة بين اسرته ساعد ابن اخيه الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم على بث الدعوة الاسلامية وحماه من عدوان قريش الا انه كان فقيرا َ لايملك من المال شيئاَ وحينما توفي خلف عدة اولاد اكبرهم سنا واشهرهم معرفة ربيعة بن الحارث.
كان ربيعة رجلاَ طيب الكعب شجاعا َلايهاب , احبه النبي صلى الله عليه وسلم وقربه لبطولته وصدقه واخلاصه في بث الدعوة الاسلامية وكيف لايساعد الرسول وهو ابن عمه وكيف ليذود عنه عدوان قريش بروحه ويؤثره على اولاده وبعد وفاته ترك اولاد من جملتهم عبد المطلب الذي ترك الحجاز وسكن دمشق ليكون على مقربة من خلفاء بني أمية حيث ان يزيد بن معاوية كان يحترمه ويغدق عليه العطايا اما اولاده هم محمد وسليمان والعباس.
لما ظهرت الدعوة العباسية وانتشرت في الافاق كان محمد احد من بذل جهداَ في تأسيسها حتى تمكنوا من نقل الخلافة وتأسيس الدولة العباسية وبعد ان تربع الخليفة السفاح العباسي على عرش الخلافة , قدم ابناء عمه وأسرته وكان محمد بن عبد المطلب بن ربيعة اول من اكرم واعطى حقه وعرف قدره وكان له ولدان اسمهما سليمان وعمر . اما سليمان فقد ولى الخليفة ابو جعفر المنصور ابنه عبدالله البلقان واليمن كما ان هارون الرشيد ولى ابنه محمد بن عبد الله المدينه المنورة وفاخر به قريشا بشجاعته الفائقة واخلاقه الحميدة اما عمر بن محمد فقد كان من دهاة بني هاشم قربه ابو جعفر المنصور واعتمد عليه في جميع المهمات ولاسيما انه تولى دمشق ليكون بصيراَ يقضا فيما يجري فيها هذا ما تمكنا من معرفته من تاريخ هذه الاسرة التي هي فرع من الدوحة الهاشمية التي ينتسب اليها الشاعر شمس الدين محمد الهاشمي وليس من المستبعد ان يتخذ بعضا احفاده هذه الاسرة بلدة الكوفة وطناَ له وجعل يشتغل بالعلم والادب ولا سيما ان الكوفة كانت مركزاَ ثقافياَ مهما في ذلك العصر الزاهر اذا ان هذه الاسرة التي هاجر احد ابنائها وانخرط في سلك العلم والادب تمكن من ان تكون له الزعامة الادبية والعلمية وظهرت من بينهم عدة شعراء وادباء وكان لهم اثر كبير في الادب العربي والتوجيه الفكري وان قلة المصادر لم تمكننا من متابعة البحث في معرفة رجال هذه الاسرة التي طمست اخبارها وبقى امرها يحيط به الغموض حتى جاء القرن السادس الهجري فلحقت فيه شخصيات نابغة ملأت الدنيا شعرا وادبا هو شاعرنا المترجمة. حيث ان جد الشاعر واسمه عبيد الله الكوفي هاجر من بلدته الى بغداد زمن الخليفةالناصر لدين الله وذلك ان هذا الامام اعتلى عرش الخلافة سنة 575هجري تمكن ان يعيد للدولة العباسية هيبتها وان يلم شعث هذه الامة تحت لوائه حتى اصبح عصره من ازهى العصور الذهبية كما وجه همته الى احياء الحركة الادبية والحرية والفكرية واخذ العلماء والشعراء يتقربون اليه وذلك زخرت بغداد وبأعلام المفكرين واليك ماقاله الشاعر كمال الدين علي بن النبيه من مدح الخليفة احمد الناصر لدين الله


بغداد مكتنا واحمد احمد      =  حجوا الى تلك المنازل واسجدوا 
فهنالك من جسد النبوة بضعة = بالوحي جبريل لها يتردد
هذا هو السر الذي بهر الورى =في ظهر آدم والملائك سجدَ
سمعا امير المؤمنين لمدحه =صدق فهل انا قارىء او منشد
القائم المهدي انت بقية الاسلام = تمهد تارة وتشيد
بعدا لمتنصر سواه وقد بدت = منه البراهين التي لاتجحد
لولا التقية كنت اول معشر = غالوا فقال انت رب يعيد
ملك اذا التطمت صفوف جيوشه = ايقنت ان البر بحر مزيد
يعلوه من زمر الملائك فيلق = بالرعب ينصر عزمه ويؤيد
ياعاقد للطعن فضل لوائه = مهلا فاجنحة الملائك تعقد


وكان من جملة من وفد على هذا الخليفة ابو جعفر يحيى العلوي نقيب البصرة وشاعرها وعالمها ثم العالم الشاعر عبيد الله الكوفي وفد على بغداد مع جملة المهنئين للخليفة الناصر لدين الله حيث انه كان رفيع المكانة ذا هيبة ووقار وغزير العلم اتسعت شهرته حتى اسندت له عدة وظائف وانعم عليه تقديرا لنبوغه ورجاحة عقله ووفرة اطلاعه واتساع ثقافته.وبعد وفاته ترك ولد اسمه احمد بن عبيد الله الكوفي نابغة الذكاء شجاع الفؤاد قال الشعر ودرس العلم على ابيه وعلى جملة من اعلام بغداد في عصره حيث غدا اديبا وعالما فصيحا وقد عد من كبار علماء زمانه حيث تولى التدريس في المدارس العلمية وبعد مماته خلف ولدا هو الشاعر شمس الدين محمد الكوفي الذي تترجمه مفصلا .

ميلاد الشاعر
ولد الشاعر شمس الدين محمد بن احمد بن عبيد الله الهاشمي الكوفي الواعظ سنة 627 هجري
في مدينة بغداد حاضرة الخلافة العباسية وكعبة العلم والعرفان ومجمع العباقرة والنوابغ ولد هذا الشاعر الذي طبقت البقاع شهرته وماخلت الاندية من التحدث بذكره على طول العصور والاجيال في زمن تربع على عرش الخلافة الامام المستنصر بالله العباسي والذي يعد عصره من ازهى عصور الثقافة العربية حيث ازدهرت فيه حركة العلوم والادب وشيدت المدارس والربط والمساجد واستضل العلماء والشعراء ظلال النعيم والجاه وليس بعيدا عن هذه الخليفة ان يقوم بأعمال خالدة تبقى اثر لمناقبه الحميدة مادام قد اتصف بأخلاق نبيلة وسجايا جليلة.

ولد هذا الشاعر في اسرة عربية هاشمية وليس من شك في ان جميع افراد هذا البيت الكريم علماء وشعراء وسراة يصلون اقداماَ ويجولون شجاعته كما ان الله قد رزقهم من المال والنفوذ حظا وافراَ ومازال الشاعر يترعرع في مرابع بغداد ويلعب في مروجها النضدة حتى نشأ كامل الجسم معتدل السمت سهرت لتربيته ورعايته الاسرة واعدته شابا يافعا لا تفارقه ابتسامة رقيقة تنم على وجاهة ووقار فأن هذه النشأة الصالحة من قبل والديه جعلته ذا مركز رفيع في عصر ه وابقى ذكر عائلته وما أقل نجمها العلمي والادبي حتى بعد مماته بل ازداد بولده الذي اصبح اكبر امناء بغداد في العصر المغولي.
وأما نسب الشاعر فيتسلسل الى سيد العرب وزعيم قريش وصاحب السدانه والرفاده في العصر الجاهلي هاشم فهو شمس الدين محمد بن احمد بن عبيد الله بن داؤد بن محمد بن يحيى بن زيد بن يحيى بن احمد بن داؤد بن صالح بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن عبد الله المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
كما ان الشاعر قد لقب بألقاب غلبت عليه اشتهر في العالم العربي عامة وبغداد خاصة هي ( الهاشمي) نسبة الى اسم جده هاشم رئيس الاسرة الهاشمية وب( الحارثي) نسبة الى جده الحارث بن عبد المطلب بن هاشم و( الكوفي) نسبة الى بلدة اسرته في الكوفة و( الواعظ) لانه كان واعظ بغداد في زمانه ولم يتقدم عليه غيره بهذه الشهرة في الفقه الحنفي.


دراسته
ولد الشاعر في بيت علم وأدب رضع افاريق الكمال منذ الصغر وتعلم القراءة والكتابة في بيته وتربى تربية تخللها الوقار والحياء فنشأ طفلا مكتمل الذكاء قوي النشاط يلوح على مخيلته أثر النبوغ والفراسة كما أن رعاية والديه في نشأته لها أثر في نضج عقليته وتهذيبها وتهيئته لتلقي العلم والادب وليس من شك في أن المحيط يؤثر على عقلية الطفل فأن كان المحيط صالحا خصب المنبت نشأ فيه الوليد نشأه نحوها يؤمل لها مستقبل زاهر وتمكن من أقتطاف ثمرات جهوده وإذا كان المحيط فاسدا فأن مصير الطفل الذي نشأ فيه الفشل المؤكد في الحياة ويبقى يتمرغ في أحضان الجهل أو الرذيلة وشاعرنا المترجم نشأ في محيط أدبي علمي يعد من أزهى العصور التي مرت على بغداد عصرا حيث زهر فيه المجد الباذخ منذ تطاولت فيه المدرسة المستنصرية على ضفاف دجلة تعلم الشاعر القراءة والكتابة ولما عض على قارحه الكمال دخل المستنصرية ولازم علماءها فقرأ النحو والصرف وفنون الادب وبعد ذلك درس العلوم الدينية وتفسير الحديث والفقه وعني بدراسة الفقه الحنفي على مدرسها العالم أبو حفص عمر بن محمد بن أبي نصر الفرغاني وهو شيخ صالح قدم بغداد وسكن برباط الزوزني ثم رحل الى واسط وأقام عند بني الرفاعي فأكرموه بمال كثير حتى ان محمد بن الرفاعي دخل عليه فصبحه غلطا وكان مساء فقال

أتاني نور عيني ونزهتي             =ففرج عني كربتي وأزاح 
فصبحته عند المساء لأنه =بطلعته رد المساء صباحا

ثم ترك الفرغاني واسط وقفل راجعا الى بغداد ثم غادرها وصعد الى سنجار فأقام بها مدة يقرأ عليه في جامعها الفقه الحنفي والأدب جمهرة من الطلاب ثم لم تمض مدة حتى رجع الى بغداد حيث عينه الخليفة المستنصرباله مدرسا يدرس الفقه الحنفي في مدرسته المستنصرية عندما فتحت ولم يزل بها الى ان مات سنة 632هجري ثم عين بعد وفاته ٍالفقيه ابن الانصاري الحلبي الذي كان من اجل العلماء فلازمه الشاعر وشغف من علمه مدة طويلة لاتقل عن ثلاث سنوات ولكن في سنة 635 هجري ترك هذا العالم التدريسي من المستنصرية واستأذن العودة الى حلب بأهله واولاده فأذن له الخليفة وعين بدلا عنه من اقضى القضاة كمال الدين ابو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام بن اللمعاني.
فعلى هؤلاء رضع البان العلم والادب في المدرسة المستنصرية وكان يسكن في غرفة من غرفها قد اعدت له كسائد الطلاب الذين يدرسون فيها وكانت هذه الغرفة مزودة بأثاث فخم وكان يقدم للطلاب فيها الغذاء الكامل بحسب الاوقات كما كانت للمدرسة طبيب يعنى بصحة اجسامهم وحمام خاص بالطلاب من اجل ان يكون كل منهم نظيفا جميلا معطرا بروائح زكية وقد وصف شاعرنا هذه الحمام ببيتي غضب عليه الخليفة حينما سمعها وتكدرت خواطره وبعد ان كان يرعاه ويوصي به المشرفين على المدرسة الاعتناء به قال:

ولو ان ايوب في عصرنا     =وقد مسه بالاذى البارد
لجاء الينا فحمامنا = شراب ومغتسل بارد

وبعد ان انهى الشاعر دراسته بالمستنصرية ومر بمختلف المراحل لاحت عليه علامات النضج وقد بدا نظم الشعر وهو في عنفوان الشباب وفي بدء دراسته حيث كانت الدراسة في ذلك العصر صعبة اذا كان الطالب يمر بمراحل مختلفة للدراسة العلوم والادآب. ولما اكمل دراسته لازم من فطاحل علماء بغداد وادابها وفقهائها خاصة في الفقه الحنفي على مذهب الامام النعمان بن ثابت وقد بقى على هذا المذهب واسرته من بعده.
وظائفه
عندما انهى الشاعر دراسته في المستنصرية وكان من الفائقين على اقرانه لنبوغه وعبقريته بزغ نجمه في محافل بغداد واخذت افواه الشعب تردد قصائده الحسان التي انطوت على معاني غزيرة وافكار ناضجة ولما بلغ ذكره مسامع الخليفة المستعصم بالله العباسي عينه مدرسا في المدرسة التتشيه احدى المدارس البغدادية المشهورة الذي قد قام بتشيدها الامير التركماني خمار تكين التتشي وكان هذا خادما عند الامير تتشي بن الب ارسلان بن داؤد سلجوق حيث اسسها لاصحاب ابي حنيفة لتكون بعد وفاته خير اثر يشيد بذكره.
لقد تتلمذ على شاعرنا في هذه المدرسة عدد كبير من طلاب ممن يدرسون الفقه الحنفي وطريقة التدريس والتعلم في ذلك العصر هي ان المدرس كان يجلس للدرس يتخيله السكينة والوقار يلبس الثياب السود معتما وعن يمينه ويساره معيدان بعيدان كل ما يميله كما ان المدرس هو الذي يتصدى لتدريس العلوم مثل التفسير والحديث والفقه والنحو والصرف وغير ذلك من الموضوعات المهمة . اما المعيد فاصل موضوعه انه اذا القى المدرس وانصرف اعاد للطلبة ماألقاه المدرس اليهم ليفهموه ويحسنوه وكان موقع هذه المدرسة التتشيه قرب المدرسة الناظمية ومجاورة للمستنصرية الحالية وكان لايعين لهذه المدرسة الامن كان حنفيا مختصا بالفقه الحنفي ولما كان الشاعر من اعلام الفقه الحنفي في ذلك العصر كان يحضر لسماع دروسه العلماء والامراء لاسيما الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني منقذ العراق بعد نكبة بغداد كما ان منزلته بلغت درجة ارقى واعظم حينما عرف بفضله ومقدرته العلمية وصدق خدماته الجليلة للبلاط العباسي حيث استقدمه المستعصم بالله وعينه واعظ في باب بدر احد ابواب قصر الخلافة وقد سمي بهذا الاسم نسبة الى بدر مولى الخليفة المعتضد كان يقع هذا الباب قرب جامع مرجان حتى ان المحلة القريبة من هذا الباب سميت بمحلة البدرية ولم يعط الواعظ لاي كان في الابواب الا لفطاحل العلماء وكبار الفقهاء وعين ايضا خطيبا لجامع السلطان الذي شيده السلطان ملكشاه السلجوقي ( في الاصل هذا الجامع كان يسمى بالحزم ) سنة 485 هجري.
وان الذي اشرف على بناء هذا الجامع هو قاضي القضاة ابو بكر الشامي الحنفي وحملت اخشابه من جامع سامراء ولم يتممه فأتم عمارته بهروز الخادم في سنة 524 هجري وكان يقع هذا الجامع بالنسبة ليومنا في محلة العيواضيه قرب مقبرة ( شهداء الاتراك) الذين قتلوا في الحرب العالمية الاولى في العراق وكان هذا الجامع احد جوامع بغداد الثلاثة الكبيرة لصلاة الجمعة ( جامع الرصافة ومشيده الخليفة المهدي) جامع القصر الذي بناه الخليفة المكتفي بالله ( جامع السلطان الذي تكلمت عليه وكان لايعني خطيب في هذه الجوامع الا من كان ذا علم غزير وصاحب فضل وجاه وبعد نكبة بغداد سنه 656 هجري اسند اليه الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني لتدريس الفقه الحنفي في المدرسة المستنصرية وكذلك مسمعا للحديث وشرحه في دار الحديث كذلك في داخل المستنصرية حيث ان دار الحديث ودار القران لتعلم القران وتجويده هما من اقسام المستنصرية اما ندوته الادبيه من المستنصرية فكانت حافله بجمهرة كبيرة من رواد الادب والشعر حيث ان احاديثه كانت اشبه بمحاضرات تلقى على الطلاب والعلماء من المحاضرين حتى انه لما قتل المستعصم بالله وزال حكم العباسين من بغداد عمل المراثي المستعصمية واخذ يلقيها في مجلسه بالمستنصرية ويهيب بالنفوس لاخذ الثأر والذود عن حياض الوطن وطرد المغول ومن اجل ذلك غلب عليه لقب الواعظ ارفع شأنا من لقب الخطيب لان الواعظ تتركز منزلته الاجتماعية على قوة شخصية العلمية والادبية ولاسيما اذا كان من دوحة جليلة ذات شأن رفيع في المجتمع .اما الخطيب فتنحصر صفته في وظيفته خطب الجممعة والاعياد المقرره فقط

شخصيته
ما كاد يطل العام السابع الهجري الا ولمعت من المعاهد الثقافية في بغداد شخصية عربية وصار لها شأن في الادب العربي الاوهو الشاعر شمس الدين محمد الكوفي . استطاعت هذه الشخصية الجليلة ان تنهض باعباء ثقيلة يصعب على غيرها القيام بمثلها فقد برز في الميدان الثقافي بروزه في ميدان السياسة العربية اذا كان فارسها وهو الذي كان يصول بخطبة على المغول حينما بسطوا سيطرتهم الطاغية على بغداد.

كان هذا الشاعر رجلا معتدل القامة جميل الصورة ذا لحية بيضاء مشرق الوجه كثير البشاشة كما تلوح على سماته الرزانة والوقار وكان يرتدي بزة فاخرة وجبة وقلنسوة كما اتصف بثبات القلب ورباطة الجأش ونفس عزيزة الجانب نقية السريرة وان شجاعته هي التي كانت الاساس في انصاف خلقه بما ينم على الفضيلة والسؤدد .
ومما لاشك ان شخصية هذا الشاعر لو لم تكن قوية الارادة ذات عقيدة عربية راسخة وايمان ثابت لا يتزعزع بالاهواء والمغريات لشاهدنا عكس ماكنا نؤمل منه وكان ماضيه في دخول المغول بغداد في بعث الروح على التمرد وطرد الغزاة دليل واضح على مانقول والحق لنا ان قلنا هذا لعلمنا بما فعله السلطان صلاح الدين الايوبي بالشاعر المصري عمارة اليمني كان ماقام به هذا الشاعر بعد نكبة بغداد دليلا على علو همته وصدق اخلاصه وان الاخلاص دليل على علو الشخصية والاخلاص يبعث الهيبة والاحترام بالنفس واذا ما قرأنا شعر شاعرنا وأمعن النظر في معانيه لوجدناه منبعثا عن روح طيبة ونفس مخلصة ذائبة في هذه المعاني التي كلها دفاع عن الوطن العربي.حيث وقف شاعرنا بعد نكبة بغداد يناضل بجرأة وحماسة كما يناضل الزعيم المخلص حين يدعوا قومه إلى اليقظة والكفاح وعندما كان يصرخ بالنفوس النهوض من رقدتها لطرد المغول وأخذ الثأر لم يستطيع غيره أن يجرأ بما أقدم خشية من الإرهاب والتنكيل كما أنه لم يسجل لشاعر عربي وسياسي ثائر مثلما خلد لهذا الشاعر في مواقف جليلة تمكن أن يصمد ويقاوم تيارها وليس من شك في أن عقيدته القومية ودعوته لإيقاظ النفوس من غفلتها دليلا على علو الهمة وعلى تقدير الواجب والشعور بالحرية التي يتطلبها الوطن وتحتاج اليها البلاد للخلاص من نير الاستعمار خاصة بعدما تكشفت الأحوال في بغداد وشاهد بعينه النفوس المريضة من أبناء العراق الذي كانو في يوم مايعملون في خدمة العائلة العباسية ويأكلون من نعمهم كيف كان أصبحوا عملاء للاستعمار المغولي حينئذ قال من قصيدة في وصف نكبة بغداد :


كنا جميعا وكان الدهر يسعدنا    =والكائنات بكأس الأمن تسقينا      
فألان قرت عيون الحاسدين بما =جرى لنا واشتقب منا اعادينا
فصار يرحمنا من كان يأملنا =وعاد يرخصنا من كان يغلينا
واليوم الطف كل العالمين بنا = من عن احبتنا اضحى يعزينا
حمائم الروح في الاغصان نائحة = كما تنوح فنحكيها وتحكينا
تشجو وتندب من شوق لمن فقدت = ومن فقدنا فنشجيها وتشجين
ا


أخلاقه
اتصف الشاعر بسجايا حميدة قلما تجدها في خلق شاعر مثله حيث لم تقدر المادة ان تغير عقيدته كان عزيز النفس رفيع الجانب دمث الخلق جم التواضع يغلب على روحه المرح سريع البديهية سريع الخاطر حاضر النكتة احضر يوماَ عماد الدين محمد بن حسن الابهري المعروف بالزمهرير تقدم بعض الخواقين الى خواجه نصير الدين الطوسي بمشيخة رباط الخلاطية فرتبه عوضا عن شمس الدين بن اليزدي وكان شيخا لم يخالط الصوفية ولاعرف قواعدهم ولاتأدب بأدابهم وكان الناس يولعون به فقال له يوما الشاعر شمس الدين محمد الكوفي انا وانت لانرى في الجنة فتأثر لذلك واغتاظ منه فقال له ان الله تعالى يقول لاترون فيها شمسا ولازمهريرا فكان لهذه المداعبة الطيبة حسن الاحدوثه والاثر.
كان شاعرنا معروفا بالوفاء والوفاء دليل النفس الكبيرة فلذلك كان من اعظم الناس اخلاصا ووفاءا للاسرة العباسية بعد تلك النكبة الدامية وذلك لانه عاش ونعم في ظلال نعيمهم عندما شاهد بعينه النكبة القاسية وكيف اباد المغول قد صورها بشعره ومن ارقها.


عندي لاجل فراقكم الآم                 = فالآم اعذل في حبكم والآم
ويذيب روحي نوح كل حمامة =فكأنما نوح الحمام حمام
ان كنت مثلي للاحبة فاقداَ = او في فؤادك لوعة وغرام
قف في ديار الضاعنين ونادها = يادار ماصنعت بك الايام

مذهبه وعقيدته
ظهر في صدر الدولة العباسية جمهرة ناضجة من فطاحل العلماء ونوابغ الفقهاء واصبح لهم فيما بعد شأن في الحياة الفكرية وتقدم في بلاد الخلفاء العباسين حيث كان للعلماء مكانة في نفوس هؤلاء الخلفاء ولحبهم في نشر العلم والثقافة وتوسيع الحضارة حتى استثمر العمران وازدادت الحركة الفكرية وتشعبت اراء العلماء وتعددت المذاهب والعقائد وكان اشهر هذه المذاهب الاربعة المذهب الشافعي للامام محمد بن ادريس والمذهب الحنفي للامام النعمان بن ثابت والمذهب المالكي للامام مالك بن انس والمذهب الحنبلي للامام احمد بن حنبل عطر الله اجداثهم الطاهرة.

اما مذهب الشاعر شمس الدين الكوفي الذي ورثه عن عائلته فهو المذهب الحنفي لابي حنيفة والمولود سنة 280 هجري الذي انشا تلك المدرسة الفكرية والتي صارت من بعده من ينابيع الفقه الاسلامي الشجاجه على طول العصور وكانت هذه المدرسة وهي عبارة عن حلقة في جامع الكوفة وكان بهذا الجامع حلقتان . كثيرا ماكان ينشب الصراع بين افرادها حلقة المعتزلة ومؤسسها واصل بن عطاء وحلقة أصحاب أبي حنيفة ولما كان الشاعر قد ورث المذهب الحنفي عن اسرته التي كانت تسكن الكوفة قبل ان تعد على بغداد عندئذ درس هذا المذهب في المستنصرية عندما كان طالبا يتلقى علمه على يد العالم الشيخ رشيد الدين ابي حفص عمر بن محمد الفرغاني ثم على الشيخ عبد الرحمن بن اللمعاني والعالم بن الانصاري الحلبي ولكن عندما أنهى دراسته من المستنصرية عين مدرسا في المدرسةالتتشية يدرس الفقه الحنفي وان هذه المدرسة كان قد شيدها الامير خمار تكين التتشي لأصحاب ابي حنيفة واشترط ان لايدرس فيها غير المذهب الحنفي حتى حدث ان عزل الشيخ رضي الدين الحسن بن محمد الصفاني عن مشيخة رباط المرزبانية لكونه حنفيا وشروط الواقف ان يكون شافعيا واضيف الرباط الى الشيخ علي بن النيار ورتب الصفاني مدرسا بمدرسة خمار تكين التتشي وخلع عليه وحضر وخطب خطبة فصيحة وذكر عشرة دروس .

وفاة الشاعر
لم تكد تنتهي سنة 675 هجري حتى خطف الموت الشاعر شمس الدين الكوفي وكان قد بلغ من العمر 52 سنة قال بن الفوطي ( وفيها توفي شمس الدين محمد بن احمد بن عبد الله الهاشمي الكوفي الواعظ ببغداد وكان اديباَ فاضلا عالما شاعراَ ولي التدريس بالمدرسة التتشيه وخطب في جامع السلطان ووعظ في باب بدر وكان عمره نحو اثنين وخمسين سنة وكان له شعر حسن وعندما انتشر خبر النعي في ارجاء بغداد جزع اهلوها واخذوا يغدون زرافات ووحدانا الى دار الشاعر وهم بين التصديق والتكذيب بعد ان غمر قلوبهم الحزن والاسى .وهكذا شيعت بغداد شاعرها المجيد بأحتفال كبير يتناسب مع منزلته الرفيعة ومكانته العالية وعبقريته الفكرية بعد ان مشى وراء نعشه حاكم العراق الصاحب علاء الدين الجويني وكبار العلماء والشعراء وجمهرة من طلابه.


عائلة الشاعر
خلف الشاعر شمس الدين محمد الكوفي بعد وفاته عائلة كريمة نبغ منها ولده الكبير ابو هاشم جلال الدين محمد الكوفي الذي كان ذكي الفؤاد قوي الحافظة شديد الحزم استطاع ان يصبح في عهد سلاطين المغول اكبر امناء بغداد في ذلك العصر طيلة حياته.
ولد هذا الشاعر في مدينة بغداد في رمضان سنة 663 هجري ولما نشأ تولى والده رعايته فأعتنى به وهذبه وعلمه مبادى القراءة والكتابة وعندما كبر دخل المستنصرية فدرس اللغة العربية وادابها ثم اصول الفقه كما تتلمذ على اشهر علماء زمانه مثل الفقيه الرشيد محمد بن عبد الله المعروف بأبي القاسم ثم انخرط في حلقة القاضي نظام الدين محمد الهروي ثم عكف بعد ذلك فدرس على العالم المشهور عبد الله بن علي بن مكي بن جراح بن ورخز البغدادي ثم على الشيخ امجد الدين عبد الصمد بن ابي الحبيش المقرئ امام القمري واخر من اتصل بهم هو الموقف الكواس المفسر في الموصل وللعالم نجم الدين ابو القاسم جعفر بن الحسن الهذلي المحقق ولما اكمل علمه ونبغ في اختصاصه واصبح رجلا قديرا وعالما وشاعرا رتب مسمعا للحديث في المستنصرية على طريقة والده وقد تم ذلك حينما فقد العالم الجليل تقي الدين ابو الثناء محمد الداقوقي.
كما ان المغول عينوه اكبر امنا بغداد وذلك لمقدرته وكفاءته وعلمه وفضله اما وفاته سنة 746 هجري . ولقلة المصادر لم يعثر على شي من شعره ومن تأليفه القيمة.
الشاعر ونكبة بغداد
لما خرجت موجة مغوليه من بلاد الصين في اواسط القرن السابع الهجري واجتاحت الممالك التي تقع غرب قارة اسيا استطاعت ان تكون لها في مدة قصيرة دولة اعتلى السلطان جنكيز خان عرشها .وما كادت هذه الدولة توطد شؤونها وتنظم احوالها حتى اخذت تفكر في غزو البلاد العربية فأخذوا يضعون الخطط ويبثون الجواسيس ويبذلون الاموال ويقطعون المواعيد ويعقدون المواثيق حتى تمكنوا في الاخير من الحصول على نتيجة ولم تذهب مساعيهم سدى حيث وجدوا من يتعاون معهم من شخصيات الدولة من الخونة المتآمرين المنحطين الذين باعوا ضمائرهم للبرابرة الهمجية بعهود بخسة وساهموا على نجاح هذه المؤامرة الخطيرة التي تعد من اعظم الحوادث في تاريخ البشرية.
فلما دخلوا بغداد ابادوا اهلها عن بكرة ابيهم ولم ترق قلوبهم القاسية حتى للاطفال الصغار الذين شقوا بطونهم ومثلو بهم اشنع الفضائح مما يحز القلوب وتشمئز منه النفوس حتى بلغ عدد القتلى ببغداد مايقارب مليون وثمنمائة الف وزيادة عدا من القى من الاطفال في الوحول ومن هلك في القني والابار وسراديب الموتى جوعا وخوفا ووقع الوباء فيمن تخلف بعد القتل من شم روائح القتلى وشرب الماء الممتزج في الجيف . وكان الناس يكثرون من شم البصل لقوة الجيف وكثرت الذباب فانه ملأ الفضاء وكان يسقط على المطعومات فيفسدها وقد دام هذا الارهاب مدة اربعين يوما.
ولما شاهد الشاعر شمس الدين محمد الكوفي هذه النكبة الدامية وكان عمره لايتجاوز 33 سنة وصف حوادثها وصفاَ يعجز اليراع من تصويرها.


ب
انوا ولي ادمع في الخد تشتبك= ولوعه في مجال  الصدر تعترك
بالرغم لابالرضا مني فراقهم = ساروا ولم ادري أي الارض قد سلكوا
يانكبة ما نجا من صرفها احد = من الورى فاستوى المملوك والملك
اين الذين على كل الورى حكموا = اين الذين اقتنوا اين الاولى ملكوا
وقفت من بعدهم في الدار اسالها= عنهم وعما حووا فيها وماملكو
أجابني الطلل البالي وربعهم الا = خالي نعم ها هنا كانوا وقد هلكوا
كما انه لم تدم الحياة لهؤلاء المتامرين الذين سعوا في اسقاط الدولة العباسية
اذا سرعان مادخل هولاكوا بغدا د ووطد اموره امر بقتل جميع من اتصل به من المتأمرين وهذا جزاء من يعمل على خيانة بلاده.
مما لاشك فيه ان نكبة بغداد التي وقعت سنة 656 هجري كانت خطبا فادحاَ على اهل العراق خاصة و العرب والاسلام والانسانية عامة حيث اثرت تأثيراَ كبيراَ وقد شغلت اذهان المؤرخين قديما وحديثا.


علمه
ليس كل من قراَ الادب صار اديبا وليس كل من درس العلم صار عالما فأن للمواهب مكانتها في تكوين العالم والشاعر ولذلك يتخذ العلماء والشعراء في اثارهم التي يتركونها من بعدهم وهذه الاثار هي التي تعرفنا مكانة العلماء والشعراء وتدلنا على مواهبهم وقيمة انتاجهم الخصب.
وهذا الشاعر شمس الدين محمد الكوفي هل درى حينما درس الادب والعلم بأنه سوف يكون علما من اعلام الفكر في القرن السابع الهجري و أحد من حمل لواء الادب العربي حيث كان عالما غزير العلم وشاعراَ رقيق المعاني خلد ذكرا طيبا وعملا مجيدا من بعد مماته غير ان ما تركه ضاع مع جملة مافقد اثناء النكبة من التراث الثقافي.
كان خطيبا مصقَعا جهوري الصوت سلس العبارة مع حسن اداء والقاء وكان اذا اخطب ارهف الاسماع وايقظ النفوس وبعث في شخصية كل منهم قوة من الحيوية والنشاط واضفى على السامع من عقله وعلمه وادبه وصدق صراحته الشىء الكثير. كان لهذا الشاعر مجلس خاص في المستنصرية يجلس فيلقي دروسه والطلاب حوله ويعظ في باب بدر ثم اصبح محدثاَ في دار الحديث وحتى حينما دخلت الجيوش المغولية بغداد اخذ يقرع اسماعهم بقصائده العصماء وعلى هذا لقبه البغداديون بالواعظ وقال ابن حجر العسقلاني في كتابة الدر الكامنة كان شمس الدين محمد واعظ بغداد في زمانه وله مراثي في المستعصم بالله وال بيته كان ينشدها في مجالسه المستنصرية.

ادبه
كان هذا الشاعر فصيح اللسان عظيم الجنان كثير الاحساس رقيق العواطف كثير الاماني قوي الحافظة تمكن ان يحفظ دواوين الشعراء وينهل من ادب القدماء من عباقرة الادب العربي وكذلك استطاع بحصافة عقله وعظيم صبره وجلده على الوقوف على التراث العربي حتى غدا اديبا كبيرا وشاعرا عبقريا يتدفق شعره سلاسة وفصاحة فصار علما ومرجعا لتراث العرب كما انه لم يكن من الشعراء الذين اتخذوا الشعر وسيلة لكسب العيش حيث تنزه عن هذه الطريقة والتي تنافي وحرفة الادب الرفيع .وانما كان شاعرا يقول الشعر لاظهار عواطفه وبيان احساسيسه الرفيعة.
شعره
نظم هذا الشاعر الشعر وهو صغير السن في عنفوان الشباب ولعل ذلك كان من شدة ذكائه وحافظته القوية وقد جرى نظمه على طريقة الاقدمين من الشعراء التي كانت متبعة في العصر العباسي وحينما بدأ بنظم الشعر كان يعرضه على اساتذته ممن تتلمذ على ايديهم نال اعجابهم وذلك لصغره وان كانت النجابه تلوح مخيلته اما شعره فكان سلس العبارت غزير المادة قوي السبك فصيح البلاغة عظيم المعاني فيه جودة الديباجة وحسن القافيةويحسن بنا ان نطلق عليه بلبل العراق لتغريده الالحان دجلةعلى ضفاف دجلة لاسيما بعد نكبة بغداد فقد ناح كما تنوح الحمامة الورقاء في رثاء دامي قال:
اذا لم تقرح أدمعي اجفاني      =من بعد بعدكموا فما اجفاني
انسان عيني مذ تناءت داركم =ماراقه نظر الى انسان
ياليتني قد مت قبل فراقكم =ولساعة التوديع لاأحياني
مازلت ابكيهم والثم وحشة = لجمالهم مستهدم الاركان
لم يكن شعر هذا الشاعر شمس الدين محمد الكوفي الاصدى الخاطر يتدفق كماء الزلال من غير كلفة ولكن غلب على شعره الجناس والتورية كما كان أغلب الاغراض التي نظم فيها وهي:
الرثاء
لقد عرف هذا الشاعر بأنه من ارق الشعراء في تصوير المشاعر والعواطف وارهفهم حسا ووجدانا واعظم وفاءاَ واصدقهم اخلاصا واعزهم نفسا فهو يؤثر الترفع والتصون. ولن ينزل بنفسه غير الموضع الذي يليق بها وان كان المصير المحتم فمن كانت هذه اخلاقه الكريمة افلا يأتي شعره في الرثاء لاصدقائه فيض المشاعر والعواطف .كان هذا شاعر البلاط العباسي في عهد المستعصم بالله فلما زالت الدولة العباسية وعصرها الزاهر وقوض مجدها الخالد على يد شرذمه من المغول تأثر وصدع بأغاريده الشجيه نائحا على ضفاف دجلة من فوق عشه بالمستنصرية على العباسين وايامهم السعيده . وكان شعوره الصادق واحاسيسه دليلا على خلقه النبيل في المواساة بهذه النكبة الذي عبر عنها برثائه البليغ ومعانيه الحزينه خالص الوفاء مطلع القصيدة يقول :
ياعصبة الاسلام نوحوا واندبوا أسفا على ماحل بالمستعصم
وقال لما شاهد قرب الرصافة وقد نشب قبور الخلفاء واحرقت تلك الاماكن من قبل المغول وايرزت العظام والرؤوس كتبت على بعض الحيطان.
ان ترد عبرة فتلك بنو العباس      = حلت عليهم الافات 
استبيح الحريم اذا قتل الاح =ياء منهم واحرق الاموات
بانوا ولي ادمع في الخد تشتبك = ولوعة في مجال الصدر تعترك
بالرغم لابالرضا مني فراقهم = ساروا ولم ادري أي ارض قد سلكوا
ياصاحبي فما احتيالي بعدهم = اشهر علي فأن الراي مشترك
عز اللقاء وضاقت دونه حيلي =فالقلب في امره حيران مرتبك
يعوقني عن مرادي مابليت به = كما يعوق جناحي طائر شرك
اروم صبراَ وقلبي لا يطا وعني = وكيف ينهض من قد خانه الورك
كنا جميعا وكان الدهر يسعدنا =والكائنات بكأس الامن تسقينا
فالان قرت عيون الحاسدين بنا =بما جرى واشتفت منا اعادينا
فصار يرحمنا من كان يأملنا =وعاد يبعدنا من كان يديننا
وبات يخذلنا من كان ينصرنا =وصار يرحصنا من كان يغلينا
واليوم الطف كل العالمين بنا =من عن احبتنا اضحى يعزينا
ليت العذول يرى من فيه يعذلنا = لعله اذا يرى عينا يراعينا
الى متى نحمل البلوى وعاذلنا = بغير ماهو يعنينا يعنينا
ما ضر عاذلنا لو انهم رفقوا =فعذلهم ليس يسلينا ويسلينا
حمائم الروح في الاغصان نائحة =كما تنوح فنحكيها وتحكينا
ان لم تقرح ادمعي اجفاني =من بعد بعدكموا فما اجفاني
انسان عيني مذ تناءت داركم = ماراقه نظر الى انسان
ياليتني قد مت قبل فراقكم = ولساعة التوديع لااحياني
مالي وللايام شتت شملها = مالي وخلاني بلا خلاني
ماللمنازل اصبحت لااهلها = اهلي ولا جيرانها جيراني

الوصف
اشتهر الشاعر كذلك بالوصف وتصوير المناظر الطبيعة فأنه كما قلت شاعر رقيق الحس جياش العاطفة يتأثر بالمشاهر الجميلة التي تقع عينه عليها فيصف هذه الصور الحية بدقة وخير تعبير سواءاَ كان المنظر بهيجا او مؤلما فقد وصف الربيع بقصيدة رائعة من ابلغ القصائد التي نظمها شعراء الوصف امثال الشاعر عبد الله بن المعتز العباسي والرومي وابي تمام وابن هاني الاندلسي والمضوري شاعر الضيعة ولكن اهمال الادباء لهذه الشخصية الهاشمية جعله نسيا في بطون الكتب وفي عالم الحرمان وان هذه قصيدته في وصف الربيع خير وصف لمباهج مناظره وازاهيره المختلفة الالوان حيث لم يسبقه احد من قبل ولاعبر شاعر بما افاض هذا الشاعر بأحاسيسه العاطفية وحرارة شعوره الوقاد قال:
روح الزمان هو الربيع فبكر    =    وانهض الى اللذات غير مفكر 
هذا الربيع يبيع عن لذاته = اصناف ماتهوى فاين المشتري

الكان وكان
الكان وكان فن من الشعر العامي انتشر في بغداد في القرن الخامس والسادس الهجري
وقد نظمه بعض الشعراء وان هذا الفن في الاغلب كان لايستند الى وزن معلوم من اوزان العرب الذي نظم الشعراء على منوالها.
انتشر هذا الفن بين العامة البغدادية واخذ ينظمون فيه فيأتون بمعاني صعبة لايستطيع عليها البلغاء من الادباء والعظماء من الشعراء واشهر من نظم في هذا الفن الشاعر شمس الدين محمد الكوفي الواعظ ولكن لم نعثر من شعره في هذا الفن سوى ماذكره لنا الاشبهي في كتاب المستظرف .



توضيح: المقالة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تمثل وجهة نظر الكاتب.






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2937


خدمات المحتوى


الشريف نذير أحمد بك العباسي
تقييم
1.30/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو