Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


جديد المقالات





المتواجدون الآن



05-20-2011 08:55 PM

شخصية هارون الرشيد
د. عبد الجبار الجومرد - مؤرخ و وزير خارجية عراقي سابق

هو "هارون الرشيد، بن الخليفة محمد المهدي، بن الخليفة عبد الله المنصور، بن محمد، بن علي، بن عبد الله، بن عباس، عم النبي الأعظم، ابن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي..".
كان مديد القامة، عَبْلَ الجسم، غير بادن و لا نحيف، أبيض البشرة، في وفرة جعدة فاحمة، و جبين ناصع صلت، و عينين كبيرتين دعجاوين، لهما نظرات نافذة، و أنف دقيق مستقيم، يتناسق مع فم رقيق الشفتين، ذي نبرات صافية عذبة، و لهجة فصيحة تعجب سامعيها في الخطابة و الحديث.. و له لحية سوداء، تطول بقدر ما تستوعب قبضة الكف، سيراً على قاعدة السنة، و عارضان خفيفان يتصلان بجمته، و قيل إنه كان أجمل أحفاد المنصور وجهاً.
تولى الخلافة، كما علمنا، في منتصف عامه الثالث و العشرين، و توفي في نهاية عامه الخامس و الأربعين، فهو إذن مارس شؤون الملك في عنفوان شبابه، و ترك الدنيا حين بلغ سن الكمال و النضج.. غير أن فترة خلافته كانت مشحونة بالأحداث الجسام التي شغلت التاريخ، كما كانت أيامه من أحسن الأيام و أجملها، فسموها "العروس" لبهجتها، و انتعاش الحضارة و المدنية الإسلامية فيها، و اتساع نطاق البذخ و الترف في جوانبها.. كل ذلك كان من العوامل التي خلدت ذكره، و نشرت اسمه في كل مكان، حتى يومنا هذا.
مات و ترك وراءه، ككل رجل عظيم الشأن، خلافاً ظاهراً بين المؤرخين حول شخصيته و حقيقة سيرته؛ فمن مبغض كاره له، إلى آخر محب معجب به، إلى القليل ممن وقفوا على الحياد، فلم يندفعوا وراء عاطفة جامحة، أو تعصب ظاهر له أو عليه، ما أدى، في النتيجة، إلى تشويه الواقع في تاريخ حياته، و إلقاء غشاء كثيف على الحقائق في سيرته الخاصة و العامة.
فالمؤرخون القدامى الذين عاصروه أو جاؤوا بعده بقليل، و كانوا من شيعة العلويين، لم ترتح نفوسهم لأعماله، بسبب ذلك الاحتكاك الذي حدث بينه و بين عدد من شخصيات آل البيت، على الشكل الذي أوردناه. فراح بعضهم يتغاضى عن الكثير من مفاخره و محامده، و يدون مناقصه و مثالبه، و يرميه بالقسوة و الفظاظة و حب سفك الدماء لمجرد غضبة تعتريه، أو شك ينتابه.
و أيدهم في ذلك عدد من المؤرخين الفرس المتعصبين لعنصريتهم، لأنه كان يمالىء الجانب العربي في صراعه ضد الشعوبية التي استشرت بين رجال بلاطه، و لأنه أيضاً نكب البرامكة نكبة لا هوادة فيها، و اجتث جذورهم المتغلغلة في دولته، على الشكل الذي سنذكره، فاتهموه بقلة الوفاء، و بالارتجال في الحكم، و سرعو البت بالأمور، على غير هدى و لا صراط مستقيم.
و غير هؤلاء، جاء أدباء من مؤلفي كتب الطرائف و النوادر و القصص الأدبية، في العصور المتعاقبة، فتحدثوا عن مجالس اللهو و الشراب و التمتع بالجواري الحسان، في العصر العباسي الأول، فأطلقوا لأخيلتهم العنان، و ابتكروا ما شاؤوا أن يبتكروا من وحي أقلامهم، رغبة في استمالة القراء إلى انتاجهم الفكري، فزجوا اسم "هارون الرشيد" في مبتدعاتهم تلك، ليسبغوا عليها لوناً من ألوان التاريخ، مستغلين شهرة هذا الملك الشاب الوسيم، و ما عرف به عهده من رقي أدبي و فني، و انغماس في الشهوات و اللذائذ و غيرها، فأظهروه على غير حقيقته، و صوروه للناس فاسقاً عربيداً يعكف على الخمرة و المحرمات، و يتهالك على النساء.
فضلاً عن أن عدداً آخر من المؤرخين، أحبوا سيرة هذا الرجل، و استهوتهم بعض محامده و جميل فعاله، و كانوا من المتعصبين لقومتهم العربية، فتحزبوا له ضد شائنيه، و اندفعوا بعواطفهم الجامحة إلى وصفه بكل مكرمة تزينه، و تجريده من كل شائبة تعيبه، و وضعوه في مصاف الزاهدين المتعبدين الذين يذيبون محاجرهم بكاء من خشية الله، أو في مصاف الفلاسفة الحكماء في تصرفاتهم البعيدة عن الأخطاء و التناقض.
و نحن لو أخذنا صوراً مختلفة من ذلك الفيض الغزير من أخبار الرشيد التي دونتها كتب التاريخ و الأدب، على علاتها دون دراسة أسبابها، أو معرفة ظروفها و ملابساتها، لوجدنا أن لكل من خصومه و أنصاره أعذاراً فيما ذهبوا إليه.
قيل مثلاً: جرت بينه و بين أحد العلويين في مجلسه مجابهة حادة، اغتاظ فيها الرشيد، فقال لصاحبه: "يا ابن الفاعلة"، فأجابه العلوي: "تلك أمك التي تواردها النخاسون"، فأحس الرشيد بجرح عميق لكرامته من ذلك الجواب الذي أشار إلى شيء من الواقع، و لم يحتمل الصبر عليه أمام رجال حاشيته، فأمر بقتله حالاً.. فقتل.
و قيل أيضاً: إنه استدعى "أبا العتاهية" يوماً، و قد زخرف مجلسه و أكثر الطعام و الشراب و اللذات فيه، و قال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش و النعيم، فقال:

عش ما بدا لك سالماً	=في ظل شاهقة القصور
تسعى عليك بما اشتهيت =لدى الرواح إلى البكور
فإذا النفوس تقعقعت =عن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً = ما كنت إلا في غرور

فبكى الرشيد بكاء شديداً، فقال الفضل بن يحيى البرمكي للشاعر: دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته؟؟ فقال له الرشيد: "دعه فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا".
و ناداه أحدهم، و هو في مكة: "يا هارون، أتعبت الأمة و البهائم"، فقال: "خذوه..."، فأخذوه و أدخلوه عليه، فقال له: "ثكلتك أمك، ما حملك على أن دعوتني باسمي؟؟"، قال الرجل: "إن الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم، فقال: "يا آدم، و يا نوح، و يا عيسى، و يا محمد"، و كنى أبغض خلقه إليه فقال: "تبت يدا أبي لهب..."، فقال الرشيد: "أخرجوه..."، فأخرجوه.
و ماتت أمه "الخيزران"، كما رأينا، فجزع عليها جزعاً شديداً، و خرج مع المشيعين حافياً باكياً، يحمل النعش على كتفه، في هيئة قد تكون نابية بالنسبة إلى خليفة مثله، يفترض فيه الجد و الصبر.. ثم يموت من أهله أشخاص آخرون، فلم يجزع عليهم مثل جزعه على أمه، و لم يظهر من التوجع ما يزري به أو يؤخذ عليه.
و نراه يحب "جعفر بن يحيى البرمكي" فيستوزره و يقربه، و يرفع مكانته فوق مكانة أمراء بيته، و يناديه بكلمة "أخي"، و يقرن اسمه مع اسمه على أوجه الدراهم و الدنانير، و يخيط ثوباً واسعاً يلبسه و إياه في الوقت نفسه حين يجلس للسمر و المنادمة، و يتركه يتصرف في شؤون دولته و في أموره الخاصة تصرفاً لم يسمح به لوزير قبله.. ثم يغضب عليه، لأسباب نجهلها، فيأمر بقطع رأسه، و يزج أباه و إخوته في أعماق السجون حتى يموتوا جميعاً.
و يسمع امرأة تتسول في مكة و تستجدي بقولها:
طحنتنا كلاكل الأعوام	=و رمتنا حوادث الأيام
فأتيناكم نمد أكفاً =نائلات لزادكم و الطعام

فيبكي لحالها، و يأمر خادمه أن يملأ قصعتها ذهباً، فيملؤها حتى تفيض بالذهب يميناً و شمالاً.
و يستهويه جمال جارية حسناء تعرض أمامه للبيع، فيشتريها بخمسين ألف دينار، ثم ينتبه إلى أنه أسرف و بذر، فيستغفر ربه.. و يغنيه أحدهم بيتاً من الشعر فيطرب له، و تتملكه النشوة، فيهب للمغني ملكاً ضخماً ليس مما يوهب للمغنين، لجلال ثمنه و وفرة غلته.. و مع ذلك، نسمعه يجيب أحد خاصته و قد سأله: "و هل تخشى يا أمير المؤمنين الفقر؟"، فيقول: "و هل أحد أخشى للفقر مني؟؟".
و يدعوه أحد الأمراء إلى وليمة، فيقدم له جاماً من الطعام النادر، فيسأل عن ثمنه، فيقال: بكذا دراهم، فيستغليه، و يعنف صاحب الدعوة على تبذيره، و يأمر بأن يعطى الجَام بما فيه إلى الفقراء.. و نقرأ له في مكان آخر: أن لقمة من لحم الجزور أكلها، فكلفته أربعمائة ألف درهم.. إلى آخر ذلك.
من الجائز أن تكون هذه التصرفات و أمثالها قد حدثت في حياة الرشيد، و لكن حدوثها كان في أوقات متفرقة و ظروف و مناسبات مختلفة، غير أن بعض رواة الأدب و التاريخ كانوا يقتبسونها من أفواه الناس، و يدونونها في كتبهم، مع كل ما علق بها من المبالغات و الإضافات، و يجمعونها في صعيد واحد كأنها صدرت عن الرشيد في ساعة واحدة أو في أوقات متقاربة، فتظهر للقارئ مليئة بالتناقض و المفارقات، فيجد الخصوم في بعضها مجالات واسعة للنيل منه و الأخذ عليه، كما يجد الأنصار أيضاً في بعضها الآخر حججاً و أدلة للدفاع عن شخصه، و مدح سيرته بأكثر مما يستحق.
و الحقيقة غير ذلك، فقد كان الرشيد صاحب نواح مختلفة، ككل إنسان يحمل بين جنبيه عاطفة مشبوبة، و حساً مرهفاً، و يتمتع بشباب مندفع، و سلطان واسع، و ثراء دونه ثراء الملوك الآخرين، فإذا جد أمعن أحياناً في جده، و إذا لها و مرح اندفع في بعض الأحايين بلهوه و مرحه، خضوعاً لحدة العاطفة التي كانت أكبر صفاته ظهوراً و بروزاً..
و لكن هذا لا يعني قطعاً أنه كان يجنح إلى التطرف في كل تصرفاته، و إذا جنح يوماً ما إلى ذلك، وجد من رزانته و ثقافته ما يمنعه من الخروج عن الحدود المشروعة له، و الاستسلام إلى شهواته النفسية.. كما أننا لا ننكر أنه ربما حاول أن يجتهد أحياناً فكان يخطئ كما يخطئ غيره.
و ربما كان هناك بعض السر في عظمة هذا الرجل، لأنه كان أكثر الناس تبايناً في جوانب شخصيته، فالذي يقرأ الجد في حياته، دون النواحي الأخرى، يجد أمامه ملكاً حازماً ساهراً على شؤون رعيته، شجاعاً تقياً، يعمل لآخرته كأنه سيموت غداً.. كما أن الذي يقتفي أخباره العلمية و الأدبية، و اندفاعه في تشجيع كل انتاج فكري، يزعم يقيناً بأنه كان دعامة أساسية من دعامات تلك الحضارة التي ازدهرت في عهده، و أنه كان أحد حملة مشعلها و زعيمهم.. و من يتصفح كتاب "الأغاني" و ما يشبهه من الأسفار التي جمعت أخبار لهوه و مجالس أنسه و سمره، يكاد يجزم بأنه كان زير نسا، يتقلب في أحضان جواريه الحسان، على أنغام العازفين، و رنين كؤوس النبيذ الحلال.
و قد أجمع المؤرخون على أن الرشيد كان يحوي كل هذه الجوانب في سيرته، لولا الغلو في بعض الأخبار التي رويت عنه، و بعض التهم التي ألصقت به و هو منها براء..

اقتباس من كتاب: هارون الرشيد - حقائق عن عهده و خلافته
تأليف: د. عبد الجبار الجومرد.
انظر: تاريخ بغداد: ج14 ص5، الطبري: ج3 ص739، الإمامة و السياسة: ج2 ص219 و غيرها.
مقاتل الطالبيين: 263.
البداية و النهاية: ج10 ص128.
البداية و النهاية: ج10 ص217.
البداية و النهاية: ج10 ص318.
البداية و انهاية: ج10 ص216.
البداية و النهاية: ج10 ص216.





توضيح:المقاله لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تمثل وجهة نظر كاتبها

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2314


خدمات المحتوى


د. عبدالجواد جومرد-مؤرخ عراقي و وزير خارجية سابق
تقييم
1.43/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

copyright تصميم ديزاين فور يو